نسيمة حيفى
يتربع على كومةِ قلقٍ يُغذّيها ثقلُ الأيام، يدرك أن القلقَ عمليةٌ حيويةٌ لا تدل إلا على نبضه الذي لا يزال هنا.
كانت تدور في خلده مقولة كافكا: “كيف أصبحت الشخص الذي أنا هو؟ هل أنا نفسي فعلاً، أم صُنع مني الآخرون بالأحرى الشخص الذي هو أنا؟”
أخذ يُرجّ فكره بعيداً عن وجوده؛ فأفكاره تلك لم تكن إلا ثقباً أسوداً قادراً على أن يسقطه في عدمية مطلقة.
اقتعد أقرب كرسي قادته قدماه إليه، فأطلق بصره وأخذ يتأمل الحشد البشري الذي يمر أمامه في لا مبالاة. أطلق ضحكة مقتضبة، لعله فكر في شيء مضحك، أو لعله استوعب النكتة التي ألقيت على مسامعه البارحة…
هكذا كان: يفكر، يكبح، يحاور ذاته، يبتسم لها ومعها، مكتفياً ذاتياً، قوقعةً واسعةً شيدها لأناه.
باغته الجوع، فأخذ يجوب بناظريه بحثاً عن أقرب مطعم. كان يكره المشي لمسافات بعيدة، فالأمر مرهق حين يصبح عمر الإنسان أقرب إلى الستين.
دلف باب المطعم، خالياً إلا من قلة بشرية، لعل الجوع داهمها أيضاً في هذا الوقت من الصباح، أو لعلها رغبت في تكسير روتين يوم بفنجان قهوة.
جلس مشيراً بيده إلى النادل، فطلب شاياً بالنعناع مع الكثير من السكر، كي يكسر به انتظاره للوجبة، فالانتظار لعنة بالنسبة له.
داعبت رائحة النعناع ذاكرته، فانتفضت ذكريات ظن أنه نسيها: زوجته لالة خدوج بقفطانها الحريري، المحكوم بعقدة عند الصدر، وبأكمامه المشمَّرة عند المرفقين.
اعتادت أن تناديه كل صباح: “محمد… أ محمد! نوجد ليك شي كاس أتاي منعنع؟”
كم كانت تستهويه هذه اللحظة! لم يكن ليبدأ يومه دون كأس شاي بالنعناع من يد لالة خدوج.
غير أنه كان يعدّل نظارته ويجيب بتحفظ جاف: “وزيدي فيه السكر.”
لم يجرؤ يوماً على مصارحتها بفطنتها في تحضير الشاي، حتى وهي تحتضر. كان متحفظاً إلى حد الجفاف. كان ينبض بعواطف لم تكن لديه أدنى فكرة عن كيفية تصريفها، جعلها تتراكم والزمن إلى أن اغبرت ككتب قيّمة على رفوف مهملة.
ثم تذكر حين كانت تستقبله بماء دافئ تضع فيه قدميه، فتأخذهما بحنو بين يديها وتبدأ في الضغط عليهما بمهارة، وهي تلقي عليه عبارات الإطراء ك: “الله يخليك ليا، أعمرات داري.”
كان يشعر بزهو شديد تحت هذه العبارات، إلا أنه كان يكتفي بالابتسام، أو نادراً ما يرد عليها ببرود: “الله يكبر بيك.”
كان يجد إلى جانبها السكينة، رغم أنه لم يعرفها إلا قبل ليلة الزفاف. كانت مسكناً دافئاً يختلي فيه من لسعات الحياة.
انتبه للنادل بعدما وضع طاجين لحم وبرقوق أمامه. شكره وتبسّم: كيف أخذته الذكريات إلى ذاك الزمن البعيد!
ثم خطر بباله: لو كانت لالة خدوج حية إلى يومنا هذا، أكان ليقرّ لها ما يكنّه تجاهها؟
أبداً! فهو يدرك تمام الإدراك أنّ شخصه بعيد عن وضع العلاقات في إطار معين. كان يخشى تلك المسؤولية العاطفية التي تعقب البوح، لذلك كان يفضّل الاحتفاظ بما يشعر به لنفسه.
أخذ يغمس الخبز في المرق ببطء كما اعتاد، إلى أن سد رمقه. أخرج مئة درهم ووضعها على الطاولة، لم ينتظر الباقي، بل خرج من المطعم وكأنه دفع ثمن ما أكله وما تذكره.
شعر بالانتعاش، ربما لامتلاء بطنه، أو ربما بفضل الذكريات التي انهمرت عليه على حين غرة.
إنه وحيد. هكذا اعترف. فمنذ وفاة لالة خدوج الشهر الماضي، وهو يشعر بالاغتراب في داره. إنجابه لدزينة من الأبناء لم تقِه حدة الوحدة، بعدما سلك كل واحد منهم دربه.
قهقه هذه المرة بصوت عالٍ، غير مبالٍ بمن حوله. تذكّر كيف كان يؤمن في شبابه باللاإنجابية، وكيف أنّ عملية جلب مخلوق إلى الوجود لا تعني إلا استمرار المعاناة البشرية، وثوريته عبء الوجود. وكيف أنّ المعاناة تبدأ منذ الولادة…
كان يؤمن… نعم، كان يؤمن.
غير أنّ أنانيته ورغباته الغريزية في الهروب من ذاته، ومن ثقل وجوده، لم تكونا إلا حائلاً بينه وبين مبادئه، ليساهم في استمرار النوع البشري لسبب أناني مطلق.
كان شاباً، كان مؤمناً، والأهم أنه كان صاحب مبدأ…
استيقظ من خدر الزمن بعد سنين أنسته ذاته المنحوتة بمبادئ وجودية. تعب فجأة من ثقل الوجود، خطى بثبات ووعي نحو والده الحاج عبد القادر، مفضياً إليه رغبته في الزواج.
ابتسم الأب: “خيراً ما قررت.”
كان ليلتها أدرك أنه سلك درباً دون رجعة.



اترك رد