سماء لا تتسع لطائرات ورقية

حامد موسى

في الخيمة رقم أربعة عشر، كان “يوسف” يجدل خيط طائرته الورقية من بقايا كيس دقيق طُبعت عليه شعارات منظمة إغاثة أجنبية. لم يكن يملك سوى هذا الخيط، وقطعتين من الخشب اليابس، وورقة كراسة مدرسية لم يفتحها منذ عام. المدرسة التي كانت، والتي صارت الآن حفرة في الذاكرة، كالحفرة التي في الأرض حيث كان بيتهم.

كانت أمه تناديه من فوهة الخيمة: “لا تبتعد كثيراً”. وهي جملة لم تعد تحمل معنى، لأنّ “البعيد” و”القريب” صارا سيّان حين يأتي الموت من السماء لا من الأرض.

جرى يوسف وأصدقاؤه الخمسة نحو الساحة الترابية وسط المخيم، تلك البقعة الوحيدة التي لم تتحوّل بعد إلى ركام. وأطلقوا طائراتهم الورقية معاً. ارتفعت الطائرات: الأحمر، والأصفر، والمرقّط ببقايا أقمشة، وكأنها أرواح صغيرة تتحرر أخيراً من ثقل الأرض.

ضحك الأطفال، وصفّقوا، ونسي كل واحد منهم، للحظة، أنه فقد أخاً أو أباً أو بيتاً.

على مسافة، خلف عدسة طويلة باردة، كانت الطائرات الورقية تكبر، تكبر وتتضخم في عين الراصد حتى صارت، في وهمه أو في ذريعته، أجساماً معدنية، تهديدات محسوبة، أرقاماً في تقرير أمني. لم يرَ الجندي طفلاً يركض خلف خيط، رأى “هدفاً محتملاً”. لم يسمع ضحكة، سمع “نشاطاً مشبوهاً بالقرب من الحدود”.

وفي تلك اللحظة بالذات، بينما كانت طائرة يوسف الحمراء تتمايل عالياً كأنها تلوّح للسحاب، انشق الهواء عن دويٍّ هائل. لم يكن دوياً واحداً، بل سلسلة: كأنّ أحداً يقطف الأطفال من الساحة واحداً واحداً، بلا ترتيب، بلا رحمة، بلا سبب. سوى أنّ هناك من قرر، من بعيد، أنّ الفرح هنا يشبه الخطر.

حين هدأ الغبار، بقيت الخيوط معلقة في الهواء فارغة، تتأرجح دون أيدٍ تمسكها، ثم سقطت الطائرات الورقية، واحدة تلو الأخرى، فوق أجساد صغيرة توقفت عن الحركة. وابتسامة يوسف، تلك التي لم يكملها، بقيت مرسومة على وجهه، كأنها رفضت أن ترحل مع صاحبها.

لم يصرخ أحد في المخيم. الصراخ يحتاج إلى دهشة، والدهشة نفدت من هذا المكان منذ زمن. فقط أمهات جلسن على التراب، يجمعن قطع القماش الملونة المبعثرة، باحثات عن خيط يدل على ابن.

وفي مكان ما، خلف الشاشات، كُتب تقرير رسمي: “تم التعامل مع تهديد محتمل بنجاح.”

أما في سماء المخيم، فقد ظلّت طائرة ورقية واحدة ناجية، عالقة في سلك كهرباء مقطوع، تتأرجح كل ليلة مع الريح، كأنها تنتظر يداً صغيرة لن تعود.

قلم و حبر بجوار لابتوب، مع عبارة 'أرسل أعمالك الأدبية'

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


Comments

اترك رد

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة