هناء العوامي*
مرحباً… اسمي لينا، وأعيش مع أمي وأبي وأختي على الساحل الشرقي من السعودية، في بيت صغير يبعد سبع دقائق بالسيارة عن البحر.
أنهيتُ المرحلة الإعدادية قبل شهرين، وأهوى القراءة والرسم. لكن دعينا لا نضيّع الوقت في الكلام عني، لأنّ الضيف الغريب الذي وجدته في فناء دارنا منذ ستة أشهر هو ما أريد أن أحدثكِ عنه.
فكرتُنا عن سكان الكواكب الأخرى هي أنها كائنات نحيفة لها جلد أخضر وعيون عملاقة، وهوائيات على رأسها! هذا ما تُصوّره أفلام الخيال العلمي.
وسومو.. هذا هو الاسم الذي أطلقتُه عليه.. لا يشبه هذا الوصف إلا من ناحية النحافة والرأس الكبير. أقول، ولن ألومكُن لو لم تُصدّقن حرفاً.. كنت أتنزه في حديقة دارنا القديمة حين كتمتُ صرخة فزع، ومن اللحظة الأولى شعرت برغبة في كِتمان خبر ما رأيت، فلا أريد أن أكون هدفاً للسخرية والضحك؛ كما أنني لم أستبعد احتمال أن أكون واهمة!
كان هناك، يجمع بعض أوراق الشجر. عينات علمية كما فهمت لاحقاً. في البداية حسِبته صبياً تسلل ليعبث، صبي نحيف في الرابعة لا يمكن تبين ما يلبسه؛ هذا من ناحية طوله. رأسه كبير مقارنة بجسمه كأنه رضيع طويل. بدا هادئاً يمكن أن تنساه بمجرد أن تُبعد عينيك.
انتبه لوجودي فبدا لي مرتبكاً لنصف ثانية ثم اختفى.. حرفياً اختفى!
فركتُ عينيّ غير مصدقة، وانصرفت حاسبة أنه من أولاد الجيران تسلل ليعبث. هل ثمة طفل معاق أو مشوه في الجوار وهو انطوائي يفضل اللعب وحده واعتاد أن يختبئ ويهرب قبل أن يحدّق الناس فيه؟
حقاً لا أعرف.. ونسيت الأمر برمته بعد عشر ثوان، وانهمكت بقراءة رواية.
اللقاء الثاني تم بعد أسبوع، إذ خُيّل لي، وأنا جالسة في الحديقة نفسها، أنّ أحداً سلم عليّ قائلاً: “مرحباً”.
رفعت رأسي فلم أر أحداً.. وعُدت لقراءة كتاب مدرسي هذه المرة. سيبدأ موسم الاختبارات بعد ثلاثة أسابيع..
سمعت الصوت في رأسي مجدداً يُسلم مُستَئذِناً بلطف وحذر، كان صوتاً ودوداً أقرب إلى الحلم، ورغم شعوري العارم بأنني كنت أتوهم، فقد نطقت تلقائياً كلمة أهلاً بصوتٍ خافت. كانت لهجة الود والحنان في الصوت الذي سلم عليّ باعثة على الاطمئنان، ثم تجلى صديقي الفضائي كصورة يتم العبث بها في برنامج تحرير الصور، تظهر أو تتلاشى بالتدريج.
لم يخاطبني بلغة معروفة من لغات البشر، لكن فهمت منه أنّ التكنولوجيا في كوكبه توصلت إلى طريقة لتحويل الأفكار إلى موجات راديو يمكن لمخ أي كائن يملك واحداً أن يستقبلها. نوع من الواي فاي أو التخاطر.. سمّه ما شئت. ورأيت على فمه الصغير ما يشبه الابتسامة، كان لصوتِه وحضوره أثر شبه مخدر، لذا لم أطلق صرخة فزع رغم غرابة ما رأيت.
عرفت لاحقاً أنّ هذا الكائن الصغير هو ذكر بالغ عمره مِئتا عام، ورغم انطلاقه في سفينة تُبحر بسرعة الضوء، إلاّ أنه بحاجة إلى سبات وتقليل نشاط كل أجهزة جسمه ليتمكن من الانتقال عبر المجرات. خلال نصف ساعة كنت قد تعلّمت عنه وعن كوكبه وعن السفر في الفضاء معلومات تفوق ما تعلّمته في ثلاثة فصول دراسية منصرمة مجتمعة، ما أدخلني في نوم عميق بعدها.
اعتذر لي عن إفزاعي قبل لحظات بسبب الظهور أمامي فجأة بلا سابق إنذار، وبدون أن يستأذن، متعللاً بأنّ الجهاز الذي يستعمله لجعله غير مرئي لسكان الكواكب الأخرى قد توقف فجأة عن العمل، نفِدت بطاريته كما تنفِد بطارية الهاتف المحمول في يدك. واحتجتُ إلى لحظات بدت طويلة خلال تلك المحادثة الكثيفة لأفهم أنّ البرهة التي يتحدث عنها كانت قبل أسبوع. لقد حصل على العيّنات التي يحتاجها، لكنه فكر بما أنني رأيته من قبل ولم أصرخ أو أُجن، أنه قد يستفيد من عوني لكي يرى أكثر، قبل أن يغادر للبحث عن حياة تستحق الدراسة في مجرة أخرى..
إنه يرى بصورة أفضل إذا كان لا يستعمل جهاز الإخفاء. هكذا وجدت نفسي أقول في ذهني: حباً وكرامة، ما أسهلها طريقة للتواصل! لا يمكن أن تخونك الكلمات أو تحاول تذكّر المفردات المناسبة لِما تحاول قوله. كما أنها إرادية بالكامل، أي أنّ الطرف الآخر لن يعرف ما تفكر فيه ما لم ترِد إخباره، أو هكذا حسِبت..
وهكذا قمت بإلباسِه قبعة رضيع ووضعته في كرسي الرضيع في المقعد الخلفي لسيارتي، بعد أن طوى أطرافه الطويلة النحيفة بسهولة ومرونة عجيبة داخله، ثم وضعت عليه بطانية غطت كل جسده وأغلب وجهه. فكرت أنه لن يرى الكثير من تلك الزاوية، لكنه طمأنني فوراً بصوته الذهني أنه قادر على خلق مرآة تعكس له ما يريد رؤيته من جميع الاتجاهات. كان قادراً على الرؤية أكثر مني في كرسي السائق.
لم تستغرق الرحلة أكثر من نصف ساعة، عدنا بعدها إلى بيتي، وقد شعرت حين فتحت له الباب الخلفي بكيان يمر بجواري ولم أر له بالداخل أثراً، فعرفت أنه قام بتشغيل جهاز الإخفاء. فلم يفزعني ذلك لأنني كنت قد بدأت آلفه، بيد أنني قفزت متراً فزعاً حين سمعت صوت أمي تسألني مستغربة عن سبب فتحي لباب السيارة الخلفي، هل أبحث -كالعادة- عن كتبي الضائعة؟ ثم ضحِكَت واعتذرَت لأنها فاجأتني، وعادت بسرعة للبيت وهي تخبرني أنّ الغداء جاهز. من الجيد أنها كانت مسرعة فلم تلاحظ كرسي الرضيع، فلا أعرف كيف أبرر وجوده بعد أن كبر أخي الصغير عن استخدامه. تخلصت منه وأنا أبحث في حيرة عن صديقي من المجرة المجاورة. لم أعرفه إلا منذ ساعة، لكن بدا لي كأنني أعرفه منذ سنين طوال.. ثم جال الصوت في ذهني مع شبح ابتسامة غامضة: هل اشتقتِ لي منذ الآن؟ هههههههههه لا يكون أنك وقعت في حبي يا صبية!
شعرت بوجهي يحمر خجلاً وغضباً، فاعتذر بحرارة عن مزاحه الثقيل، وودّعني بصدق وبكل عبارات المجاملة التي أعرفها لو كانت بلا مجاملة! قال إنه مضطر للإبحار عبر الفضاء ليعود لسفينته الأم قبل أن ينفد وقوده وينضم لرفاقه. كان يلهث مرهقاً لأنه جاء من كوكب نسبة الأكسجين -الذي يتنفسونه مثلنا بالمناسبة- أعلى من نسبته في كوكبنا، فهو يشعر هنا كما تشعر أنت حين تركب الطائرة. ودّعته بحزن صادق، فوعدني بأن يحاول زيارتي مرة أخرى لو بقي في العمر متسع. هذا الوعد الذي بدا لي لأول مرة منذ بدأت حواراتي الطوال معه مجرد مجاملة لطف، ثم -لأول مرة- صافحني بيد باردة، صافحني وانصرف..
لقد تعلّم عن كوكب الأرض خلال أسبوع واحد بمعايير الأرض ما استغرق البشر مئات السنين لكي يتعلّموه عن كوكبهم. لَكَم أتمنى لو كان فعلاً رجلاً مسالماً من كوكب مسالم. لَكَم أتمنى أنّ حسن أخلاقه ليس الهدوء الذي يسبق العاصفة أو نفاق جاسوس ينوي لك الشر، على الأقل أعرف أنه لم يقم باختطافي لأكون لهم حيوان تجارب!
وفي الواقع لن ألومكِ لو لم تصدقي قصتي.. لأنني أنا نفسي لست متأكدة من أنها ليست حلماً عابراً خلال غفوة على كرسي الحديقة في يوم ربيعي. مع ذلك أشكركِ على سعة صدرك وطول بالك لاستماعك لهذه القصة المملة.
*كتبتُ هذه القصة في أكتوبر 2022، بعد “الوباء الغريب” الذي لم أكن أعلم أنه سيصبح رواية، ثم نسيتُها ولم أنشرها. وعندما عثرتُ عليها مؤخراً في جهاز قديم، بدت لي كرسالة في زجاجة ألقيتها في بحر الزمن، لتعثر عليها نسخة أخرى من نفسي.

هل لديك نصّ إبداعي
وتريد نشره في منصتنا؟
نرحّب بمشاركاتكم من القصص القصيرة، والشعر، والمقالات الأدبية، والخواطر، والنصوص الإبداعية.
أرسل نصك، ودَعْه يصل إلى قرّاء يقدّرون الكلمة.
قصتك قد تكون النص الذي يبحث عنه قارئ اليوم.


اترك رد