منى حسن عبدالرسول
في صباحٍ هادئ، يفاجأ المجتمع بنبأ صادم: شخصٌ كان يُنظر إليه على أنه عمودٌ من أعمدة الاستقرار النفسي والعقلي، صاحب مكانة مرموقة، وعقلٍ حكيم، وشخصيةٍ واثقة… ينتحر.
رجل القانون الذي طالما عُرف بصرامته، وحكمته، وصلابته. كيف لمن يُفترض أن يكون من أشد الناس تحملًا للضغوط أن يختار إنهاء حياته؟
الحقيقة المؤلمة أنّ القوة ليست درعاً ضد الألم، بل قد تكون قفصاً يحبس المعاناة في الداخل.
الوجه الخفي للقوة
غالباً ما يُنظر إلى الأشخاص ذوي المراكز المرموقة أو الشخصيات القيادية – كالقضاة، والأطباء، والقادة العسكريين – على أنهم غير قابلين للاختراق نفسياً. لكن هذه النظرة تُثقل كاهلهم أكثر مما تحميهم. فبمرور الوقت، يتعلّم هؤلاء أنّ إظهار الضعف “عار”، وأنّ طلب المساعدة “انكسار”، وأنّ البكاء “هزيمة”. فيصمتون، ويُخبئون وجعهم خلف ابتسامة روتينية أو سلوك صارم، حتى يصبح الألم داخلياً كالحمم تحت البركان، وكلما طال زمن الكتمان، زاد احتمال الانفجار.
الانهيار النفسي: ليس ضعفاً، بل استنزاف
الانهيار النفسي لا يعني أنّ الإنسان “ضعيف”، بل يعني أنّ مخزونه العاطفي والنفسي قد نفد. إنه نتيجة تراكم غير مرئي لضغوط الحياة: مسؤوليات لا تنتهي، وتناقضات داخلية، وخيبات مؤلمة، أو شعور بالعجز رغم كل ما يبدو عليه من نجاح.
والمفارقة أنّ الأكثر “قوة” يميلون إلى تحمّل العبء وحدهم، خوفاً من أن يفقدوا صورتهم أمام الآخرين. فيصمت القاضي عن معاناته الزوجية، ويكتم الطبيب قلقه المالي، ويتجاهل الأكاديمي شعوره بالوحدة… حتى يصبح الصمت قاتلاً.
لماذا لا يطلبون المساعدة؟
الوصمة الاجتماعية تلعب دوراً كبيراً. في مجتمعاتنا، لا يزال الحديث عن الصحة النفسية موضع شك أو سخرية. ويُنظر إلى مَن يزور طبيباً نفسياً على أنه “مريض” أو “مجنون”، رغم أنّ العقل كالجسد – يمرض ويحتاج للرعاية.
بالإضافة إلى ذلك، يخشى أصحاب المراكز من أنّ طلب المساعدة سيُنقص من هيبتهم أو يُستخدم ضدهم. فيظل الألم طي الكتمان، حتى يتحوّل إلى قرارٍ نهائي لا رجعة فيه.
ما الذي يمكننا فعله؟
1- نُعيد تعريف القوة: القوة الحقيقية ليست في الصمت، بل في القدرة على الاعتراف بالألم وطلب الدعم.
2- نزرع ثقافة الاستماع: أحياناً، كل ما يحتاجه المتألم هو من يسمعه دون حكم أو نصيحة.
3- ندعم الصحة النفسية كحق إنساني: سواء عبر توفير خدمات نفسية متاحة، أو عبر التوعية بأنّ الاضطرابات النفسية ليست عيباً.
4- نتفقد من حولنا: حتى مَن يبدو “بخير” قد يكون يغرق بصمت.
خاتمة: لا أحد منيع
قصة انتحار ليست درساً في الضعف، بل صرخة تذكير بأنّ الإنسانية لا تُقاس بالمناصب أو الصلابة الظاهرة. فكل إنسان، مهما بلغت قوته، قد ينهار إن لم يُسمح له بأن يكون بشراً.
اللهم ارحم مَن غلبهم الألم، وأعنّا أن نكون عوناً لمن حولنا قبل فوات الأوان.

هل لديك نصّ إبداعي
وتريد نشره في منصتنا؟
نرحّب بمشاركاتكم من القصص القصيرة، والشعر، والمقالات الأدبية، والخواطر، والنصوص الإبداعية.
أرسل نصك، ودَعْه يصل إلى قرّاء يقدّرون الكلمة.
قصتك قد تكون النص الذي يبحث عنه قارئ اليوم.


اترك رد