خوشناف موسكولا*

في ليلة كئيبة وصيفية، وبينما كانت العائلة غارقة في النوم على سطح بيتنا الهرم وسط البلدة المنحدرة من الجبل نحو سهلٍ واسع وغارق في أشجار الزيتون، كان النوم ثقيلاً عليّ، لذا لم أجد حلاً سوى أن أحدّق في السماء، أفكّر فيما جنيته وفيما خسرته. وكانت حساباتي دائماً متخبّطة، وعندما وجدت نفسي خاسراً في حساباتي، غيّرت رأيي وحوّلت كلّ حدسي نحو السماء، منتظراً شهاباً يطير لأتمنّى أمنياتي التي لم تتحقق ولا واحدة منها، ولا واحدة حتى الآن. ربما الآن تأكدت بأنّني كنتُ أضحك على نفسي في كلّ مرّة أفعل ذلك.

وسط ذلك الصمت المرتب والهدوء الجالب للحزن، سمعت صريراً قاسياً للحديد ليدقّ ناقوس الحيرة لديّ، ففضّلت الكشف عن الأمر أكثر من دفن نفسي في فرشة النوم. وما إن عرفت مصدر الصوت حتى قمت وحذوت الخطوات بخفّة وهدوء كراقصات الباليه نحو باب البيت الكبير، وكلّما كنت أقترب من الباب كان يزداد صوت صرير الحديد، ثم سمعت صوت وقع الأقدام.

مررت بنظراتي من ثقوب الباب، فتفاجأت بأنّ ميران ابن جارنا الصغير صاعد على سلّم متوسّط الحجم، هو يحاول فكّ المصباح المعلق أمام بيتنا للإنارة من دوّاته. تعجبت من فعلته، فوراً ربطت هذه الحادثة بالحوادث المتكرّرة لسرقة مصابيح الإنارة من أمام بيوت البلدة. وبينما أكشف خيوط الجريمة، وجدت أنّ النور في الخارج قد انطفأ. ومرّة أخرى حدّقت في الثقب، رأيت ميران وهو يرتّب السلّم ويضع المصباح الذي أنزله داخل قميص نوم، ثم رفع السلّم من الأرض وفرّ. كان السلّم ثقيلاً عليه فوقع من يديه النحيلتين، فعاد لحمله وأكمل طريقه.

فتحت الباب بهدوء تام، خرجت ومن ثم أغلقته. كان ميران يجري تاركاً إياي وبيتنا خلفه، تبعته بخفّة وحذر، خبّأت نفسي في زوايا الأزقة الضيقة، تاركاً خلفي عدة أزقة بعيداً عن بيتنا. وجدت ميران يضع السلّم أمام بيتٍ آخر، استغربت، كان في بالي سيسرق مصباحاً آخر، لكن لم يكن هناك مصباح فوق باب ذلك البيت. وبينما أخمّن ما سيفعله، وجدته يصعد السلّم ويضع المصباح المخبأ في قميصه الذي سرقه من أمام بيتنا في الدواة المعلقة فوق ذلك الباب، وفوراً تمّت إنارة الشارع كون المقبس من داخل كان شغّالاً، فركن ضوء قاسٍ على عينيه الصغيرتين فأغمضهما ونزل من السلّم وهو ينظر نحو الأسفل، ثم عاد للنظر إلى المصباح وأطلق ابتسامة عفويّة لطيفة، ثم حمل سلّمه وعاد من نفس الطريق.

لم أحبّذ ترك ميران يفلت من يدي دون أن أعرف ما يجنيه من فعلته الغريبة هذه، لذا بسرعة وكي لا يشكّ ميران بأنّني كنت أراقبه، ادّعيت بأنّني أمشي وطبطبت بقدمي على الأرض وأنا أتقدم نحوه كي أشعره بوجود شخص قادم نحوه. التقت نظراتنا، لم أجد في عينيه أيّة ذرة للخوف، لا أدري إن كان يمثّل عليّ كي أمرّ دون أن أشعر بما فعله أو هي طباعه. فرحبت به تحت ضوء القمر والقليل من ضوء المصابيح المعلّقة بالبيوت المنثورة في الجوار، والذي ينير الجادة الصامتة التي كادت أن تكون مرتاحة من ضجيج العالم لولا وجودنا هناك. فاقتربتُ منه أكثر حتى توقفتُ عنده، ودون أيّة مقدمات قلتُ له:

– راقبتُ كلّ ما فعلته، لا تخف منّي.

لم يهُزه كلامي، فقد وضع السلّم على الأرض وأخذ نفساً. رحتُ أجلس على ظفر رصيفٍ ضيق قريب منّا كي لا يخشى منّي، كنت أهدّئ الوضع أكثر مما هي هادئة، وناديت ميران كي يجلس بجواري فتطاوع، ثم سألته والفضول يشدني:

– لماذا تسرق المصابيح من أمام البيوت وتضعها أمام بيوت أخرى؟

لم يستغرب من سؤالي وردّ:

– كي أبقى تحت الأضواء.

– وما دخل هذا بأن تكون تحت الأضواء؟

– بهذه الطريقة سأكون تحت الأضواء.

– لم أفهم؟!

– معلّمتي في المدرسة وقتما كانت تعطينا درساً قالت لنا: يجب أن تعملوا لتكونوا تحت الأضواء.

في البداية كان حدود استيعابي ضيقة، ثم حمّصت الفكرة في عقلي وتحدثت:

– تريد أن تكون في المقدمة، أليس كذلك؟

– نعم.

– أنت تستحق ذلك، داوم.

– بلى، أريد أن أضيء كلّ هذا الشارع ثم البلدة بأكملها، سأجاهد لأصل إلى حلمي، وسأمشي تحت الأضواء عمّا قريب.

كان يبتسم وهو يتكلّم، ثم مسدتُ على كتفه ونصحته بأن يذهب إلى البيت لينام ويستيقظ باكراً ليعمل كي يصبح تحت الأضواء، فتجاوب ثم اختفينا من الجادة.

في اليوم التالي اشتريت مصباحاً جديداً ووضعته في الدواة التي سلب ميران المصباح منها، ثم دخلت البيت. وفي باحتها جلست تحت ظلّ شجرة التوت الأبيض مع والدتي وأختي اللتين كانتا تتناقشان في أشغال البيت، ففكرت بميران بعقليته العفوية. كان بطريقه في إضاءة دربه – كما يزعم هو – ينير درب كل الجادات المحيطة، وعمّا قريب سنجد الضوء ينير كلّ الطرقات فوق أغلب أبواب بيوت البلدة، سواء بيوت الفقراء أو الأغنياء، ستجد هناك مصباحاً إن لم يضعه صاحبه فقد وضعه ميران.

كان ميران يداوم على عمله، يسرق من هناك ليضعه هناك، كان الأمر أشبه بخلق التساوي بين الجميع، وكان هذا بحدّ ذاته إنجازاً للبلدة دون أن يعلم به أهل البلدة. لكن هذا الإنجاز تعرض لانتكاسة، فبعد أسابيع قليلة من حادثة كشفي لمخطط ميران، سمعت – ذات ظهيرة – على لسان والدتي أنّ ميران قد كُسرت يده وهو يحاول سرقة مصباح ليلاً، ولم تكشف المزيد من التفاصيل لأنّها كانت لا تعرف غير ذلك. وما إن سمعت الخبر حتى قمتُ لأطمئنّ عليه، فوصلتُ بسرعة إلى بيته المكتظ بالزوار.

بعد أن اطمأنت عليه وتأكدت بأنّ أموره جيدة، سألته عن سبب تلك الحادثة، فردّ عليّ وسط سخرية الضيوف من فعلته الغريبة بأنّه قد تعرض للضرب من قبل رشيد، رجل البلدة الضخم والمضطرب عقلياً، لأنّه أمسك به وهو يسرق المصباح من أمام بيته. وما إن أنهى جوابه حتى وبّخته والدته وقالت له بلهجة حادة:

– لا تهلوس ولا تكرر فعلتك السيئة مرّة أخرى، ستجعل رؤوسنا في الأرض.

وتدخّل أحد الضيوف وأسدى النصائح لميران، وما كان للأخير سوى أن يهز رأسه موافقاً على كلّ شيء يقال له. وهكذا، وبما أنها كانت زيارة للمريض، أحببتُ أن تبقى قصيرة، لذا قررت الرحيل بعد أن تمنّيت لميران الشفاء العاجل.

بعد أسبوعين أو أكثر، تكرّر نفس سيناريو كشفي لفعلة ميران؛ كان النوم ثقيلاً عليّ ولم أقدر على الغفو حتى، مرّة أخرى سمعت صوتاً غريباً يأتي من الخارج وكأنّه صوت لصرير الحديد، وبعد قليل من الوقت كان الصوت يُسمع بشكل جيّد، فحاولتُ اكتشاف ما يجري. قمت من فرشتي بهدوء وحذر، مشيتُ نحو الباب الرئيسي للبيت، نظرت من ثقب الباب إلى الخارج، فوجدت ميران يصعد السلّم، وبعد بضع ثوانٍ انطفئ المصباح الجديد الذي اشتريته قبل أيام. رحل ميران وبيده التي تعرّضت للكسر المصباح الذي فكّه منذ قليل، وبيده الأخرى يحمل السلّم، لم يتحمل ثُقله فجرّه خلفه ثم اختفى.


*كاتب ومعلّم سوري وُلد في حلب عام 1999، أكمل دراسته الثانوية فيها ثم تخرّج في كلية التربية بجامعة غازي عينتاب التركية عام 2023. تأثر بالحرب السورية، ويشتغل في سلك التعليم، وهو شغوف بكتابة قصيدة النثر والقصة القصيرة منذ طفولته.

امرأة مسنّة تجلس بجانب نافذة وتنظر إلى الخارج بتعبير تأملي.

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


Comments

اترك رد

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة