*هبة الله حمدي
الحياة التي تعيشها قد تُنتزع، والمشاكل اليومية التي تصادفها وتتذمر منها ربما تتمناها يوماً!
تستحيل الذكرى كابوساً: الولد يتحوّل قطاً، ثم مفترساً كبيراً يصطدم بالزجاج الأمامي، يفور الدم منه، يغرق الزجاج وكل السيارة، لكنه لا يموت، يكشّر عن أنيابه ويوشك أن تقع في فكه!
تمضغها الذكرى، يفجعها الألم، لا ترتاح بنوم ولا تهنأ بصحو، أحياناً يُخيّل إليها أنها كانت مجرّد شاهدة على الحدث، سيارة مسرعة طائشة صدمت طفلاً ومضت، ليست سيارتها، ولا الولد تعرفه، لم تذنب، كانت مجرد شاهدة لا تُحسن فعل شيء، ووجودها لا يُقدّم شيئاً أو يُؤخّر.
تغوص في إحساس التأنيب الذي يبتلعها ويبتلع مباهج الحياة معه، تقف مذبذبة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، تقول أخواتها: حدث ما حدث، نصيبه والقدر، يرى أبوها أنّ الأمر كبير لكنه مرّ بأقل الخسائر، فعليها أن تحمد الله أنها خرجت سليمة، لا حكم ولا جناية عليها، تقول صويحباتها: العشرات كل يوم يُصدمون ويموتون، لو توقف الناس عند كل حادثة لتوقف العالم وكفّت الحياة عن الدوران!
لكنها تسقط في هوّة ما لها من قرار، تنبذ نفسها وتبكي لساعة، حيناً بعين أمّ، أمٍّ فقدت ابنها فجأة، أمٍّ شاهدته يحبو ويمص إصبعه ويقول “ماما” للمرة الأولى، هي ليست أمّاً، أو ربما كانت أمّاً في تلك الحادثة، أمّاً مخلوعة الفؤاد، وهي مذنبة، ترى ذنبها كذنب مؤمن يراه كجبل يوشك أن يقع عليه، هي مذنبة، وليست كل الذنوب قابلة للغفران، وإلا لمَ خُلقت النار؟
عشرينية هي، تركب سيارتها، تُعلي صوت الراديو أو الهاتف، تغني أثناء القيادة، تبكي حيناً وتتأمل السائرين، لا تفعل الكثير، أنهت دراستها، عملت في وظيفة إدارية بإحدى الشركات، تُسافر أحياناً مع صاحباتها، تمضي الحياة باعتيادية: لا فرح طائش ولا وجع مضنٍ.
علاقتها بوالدها جافة، لكنها اعتادت ذلك مذ ماتت أمها، شقيقتان تكبرانها، لم تتأثرا كما تأثرت هي بموت أمها، قالوا لأنها الصغيرة، وقالوا كانت أكثرهم ارتباطاً بها، وقالوا المدللة، وكعادة الحزن، يولد كبيراً مستفحلاً في الجسد ثم يضمر بمرور الوقت، مضى موت الأم، وخلَت روحها إلا من غصة تزورها حيناً، وصورة تحفظها وتبكي حين تراها، ثم تعود لعيشها اليومي الاعتيادي.
بعد الحادثة، بعد الحبس على ذمة القضية ثم البراءة، وبعد تعزيتها أهل الولد، عادت بوجه غير الذي كان قبل الحادث، لماذا لم تتركوني للحبس؟ للعقاب؟ أنا أستحقه، منعت الطعام لفترات طويلة، هزلت، تحوّطت عيناها بالسواد، جافاها النوم، وصار الضمير سوطاً يلسعها دون كلل.
حين زارت أمّ الطفل، لم تُعرها اهتماماً، وحين اقتربت منها محاولة الاعتذار، تطلّعت إليها، ثم بعد حين رددت: قدره، هو عمره خلص لغاية كده، ومضت.
لماذا لم تغضب؟ لم تزعق؟ لم تضرب حتى؟ لم تلُمها أو تدعُ عليها؟ هل تظن أنّ ذلك قد يخفّف شعورها المضني بالذنب؟ لماذا أصلاً تُخفف عنها؟ إنّ صوت الإنسان لا يضمر إذا لم يُؤجّجه أحد، بل يزداد استفحالاً، وهذا ما حدث، يكاد صوتها يأكلها، تضمر وتصغر أطرافها، تتآكل للداخل حتى توشك على الاختفاء!
كانت تقود بعصبية، بسرعة أكبر مما اعتادته، انشق الفراغ أمامها، طفلاً صغيراً في العاشرة من عمره، لم تتمالك مقودها، حاولت الانحراف، فشلت، وحدث الارتطام، جسده كان رخواً محاطاً بسائل أحمر قانٍ، لم تر مثله من قبل، تجمهر البشر إثر انزلاقه على الأسفلت.
لا تذكر تفاصيل تلك اللحظات، أو تذكرها بأكثر من طريقة، ربما لمست كفه أو قرّبت يدها من أنفه لترى أنفاسه الخارجة، ربما أقبل أحدهم وحمله بين ذراعيه، أو انتظرت الإسعاف ريثما يصل ويحمله، وربما تضخّم جسده حتى وازى حجم السيارة ثم ارتطم بها يحطمها كما هشّمته!
كل التفاصيل محتملة، وحده الشعور في كل السيناريوهات مشترك!
“لم أقصد”، تقول لشقيقاتها، ثم تزوم وهي تغص بالدمع، لكن القصد من عدمه لا يشفع، الولد مات، مازن مات، في العاشرة من عمره، ينتظر والداه بصبر أن يكبر، أن يصير فتى، ويجري خلف طائرته الورقية، يحلم أن يسابق أقرانه وتعلو طائرته عليهم وتحلق.
وبين يقظة وإغفاءة، تتشكّل تفاصيل مختلفة، لكنها تشترك في طفل ينزلق ويصير جسده طرياً مرتخياً، إلا كفه اليمنى التي ما زالت تُمسك بخيط الطائرة بإحكام كي لا تفلت.
*أخصائية العلاج الطبيعي، كاتبة شغوفة، قارئة، مهتمة بالأدب والعلوم.
أرى أنّ الأدب هو الطريقة المُثلى التي ابتكرها البشر للتعاطي مع مصائبهم دون أن يفقدوا روحهم.


اترك رداً على هبة إلغاء الرد