عبدالمعز صفوت
بدأت أختنق.. أشعر بثقلٍ هائل يجثم فوقي، يكبّل حركتي ويثقل ظهري.. يجعل خطواتي أبطأ.. لا أريد شيئاً على الإطلاق، فقد افتقدت الشغف لكل شيء.. للحياة ذاتها..
الملل عنكبوتٌ ضخم نصب شبكته اللزجة التي أوقعت بي في حبالها، ولما سقطت جاء يمتصّني ببطء ممل.. مؤلم.. يمتص ذاكرتي فلا أجد ما أتعلّل به، وإن وجدت فلا أجد في الذكرى أي متعة إلا الملل..
يمتص هدوئي فأثور لأي سبب.. يمتص صبري فلا أطيق انتظاراً لأي شيء.. يمتص اللهفة في أعماقي فلا أشتاق لشيء ولا أريده.. يمتص حتى الرغبة، فتتساوى عندي كل اللحظات، ويتمدد العنكبوت وتزداد شبكته شرنقة تخنق أنفاسي وتلتهم ساعات النهار ببطء..
لن أمكث هنا طويلاً.. لقد سئمت إهمالك لي وانصرافك عني، وتركي أتحسس كل جدران البيت وحدةً ولا أجد ما أفعله.. سئمت شكل الأثاث في منزلك وهذه الكراسي الثابتة في مكانها منذ زمن وكأنها تجثم فوق روحي، هذه المكتبة بأوراقها المتكومة وكتبها المتراصة في غير نظام والتي تقضي أمامها ساعات طويلة تداعبها بحنان أفتقر إليه..
ثم هذا التلفاز وبرامجه المملة المكررة، مباريات الكرة التي تتابعها بشغف شديد وتفزعني بصراخك فتوقظني أحياناً من النوم.. تقهقه ضاحكاً عندما تتحدث مع أحد أصدقائك في الهاتف.. لقد سئمت إهمالك الدائم لي وخاصةً بعد أن أتيت بها إلى البيت..
كنتَ فيما مضى لي وحدي.. عهدتك طفلاً تكوّم المكعبات أمامك وتُركّبها فتصمم أشكالاً ثم تفكّها، وتبني بيوتاً ثم تهدمها.. ثم تملّ ذلك كله فتمسك ورقة وقلماً وترسم..
ثم عهدتك شاباً تتنقل بين النادي والسينما وساعات المذاكرة والاتصالات الهاتفية مع زميلاتك، وكنت أضحك في نفسي عندما تحمل الهاتف للحجرة وتغلق الباب ظناً منك أني لا أسمعك.. كم كنتَ ساذجاً؟!
لم تعلم أني أسمع كل همساتك، مجادلاتك وفلسفتك.. آهاتك وضحكاتك.. وحتى أحلامك المستقبلية.. حتى عندما كنت تقرأ في كتاب كنت تجلس أمامي، أشاهد تفاصيل وجهك وتقطيبتك الحبيبة، وأستنشق معك دخان سيجارتك..
ولما كنت تكتب كنت أتبع حركة قلمك، وأراقبك حين تكوّر الأوراق وترميها في سلة المهملات.. كنت لي وحدي، والآن انشغلت عني كلية ولم تعد تهتم بي على الإطلاق.. حتى القراءة هجرتها ولم تعد تجلس للقراءة أمامي مثل الأيام الخوالى..
أذكر حين كنت أستمتع معك بكل الروايات الرائعة التي كنت تقرأها جهراً بصوتك الحنون، خاصة عندما تضحك لموقف في أحد فصول الرواية، كنت أضحك معك.. ولكنني أضحك في سرّي كيلا أشغلك عن القراءة..
كنت تحبني وتقرأ لي.. عشت معك أحلى سنوات العمر، رأيت العالم كله من نافذة قراءاتك، سعيدة كنت أنطلق بعيداً.. أتذكر حينما كنتَ لي..
أما الآن فقد اتخذت قراراً ولن أتراجع فيه أبداً.. سأبحث عن بيت آخر لأقضي فيه ما تبقى من عمري.. نعم.. أدرك قسوة القرار عليك وأثره البالغ، فلا تغضب، ولكن هذا ما أردته أنت ولم أعد أحتمل..
أنا لن أبقى هنا كي أشاهدك تنظر إليها بكل هذا الحب وتداعبها أمامي بلا خجل.. تأكل معها وتشاهدان الأفلام سوياً.. تشتري لها (الآيس كريم) من الخارج قبل عودتك.. إنك لا تهتم إلا بها هي فقط ولا تسأل عني أو عن احتياجاتي طوال اليوم إلا مرة واحدة أو مرتين فقط، وأحياناً لا تلتفت إليّ أبداً..
إنك حتى لم تفكر أن تصطحبني معكما حين خرجتما للنزهة في عطلة الأسبوع الماضي.. لقد كبُرت في السن ولم أعد كما سبق، وظهري بدأ يؤلمني منذ فترة ليست بالقريبة وأنت تعلم هذا ولكنك تتعمد تجاهله..
الوداع.. ورجاءً لا تحزن من أجل ما مضى فلن يفيد الحزن شيئاً ولا تندم على ما فات لأنه لن يعود، ولا تبحث عني فلن تجدني.. لا تبحث عني فلن أرجع.. لا تبحث عني لتجدني وتذرف الدموع مثلما كنتَ تفعل صغيراً..
لن أعود.. إني راحلة.
– سلوى… هل رأيت السلحفاة؟.. أنا لا أجدها
– ربما تكون قد ماتت
– هل تعتقدين؟… ذكّريني كي أشتري واحدة أخرى غداً! ..



أضف تعليق