ميسان الحُميري
لم تكن ساعتنا متوقفة؛ نحن الذين كنّا متوقّفين داخلها.
في اليوم الذي أدركتُ فيه ذلك، لم يحدث شيء يمكن أن يُروى. استيقظتُ في بيتنا الحجري الصغير على رائحة الخبز، وعلى صمتٍ معتادٍ كأنه موظّف قديم يعرف طريقه في الممرّات دون أن ينظر إلى الجدران. نظرتُ إلى الساعة المعلّقة فوق الباب: العقربان ثابتان عند السابعة وثلاث عشرة دقيقة. هذا ما يقوله الجميع منذ طفولتي، وهذا ما تقوله الساعة منذ طفولتي. السابعة وثلاث عشرة دقيقة ليست وقتاً؛ إنها إعلانٌ دائم عن عدم الحاجة إلى الوقت.
خرجتُ إلى الساحة فوجدتُ الرجال يقفون قرب البئر، ينظرون إلى الماء كما لو كان الماء مرآةً ينبغي أن تعتذر لهم لأنها تعكس وجوههم. اقتربتُ من الشيخ أمين، وهو رجل لا يشيخ في الحقيقة إلا في صوتِه؛ فالصوت وحده يتقدّم هنا، أما الأجساد فتظلّ في منطقةٍ رمادية من العمر، كأنها مُعفاة من المواعيد.
قلتُ له:
– هل لاحظتَ أنّ الساعة…؟
قاطعني بنظرةٍ جافة:
– لا تقل “الساعة”، قل “الاستقرار”.
في القرية تُستبدل الكلمات كما تُستبدل أسماء الشوارع. يقولون إنّ الزمن وقف في يومٍ ما منذ أجيال، يومٍ لم يره أحدٌ ولم يُوثّقه أحدٌ، لكن الجميع يعرفه، وما دام الزمن متوقفاً، فالخوف من الفقد يصبح رفاهيةً غير مسموحة: لن يموت أحدٌ فجأة، لن يشيخ أحدٌ كثيراً، لن يهرب أحدٌ من أحد؛ كل شيءٍ باقٍ في مكانه.
ومع ذلك، كنتُ أشعر كل صباحٍ بأنّ شيئاً ما يتآكل في الداخل، لا في جسدي، بل في قدرتي على تصديق هذه الطمأنينة. كان التآكل هادئاً، بلا دم، بلا ألم واضح، لكنه شديد الدقّة: كقلمٍ رصاص يَحُكّ ورقةً بيضاء حتى تثقبها.
في طرف القرية بابٌ عالٍ من الحديد، متآكل من المطر، يُسمّى “بوابة الحافة”. لا أحد يتذكّر من بناه، ولا أحد يُقرّ بأنه حاول عبوره. تُحاط البوابة بجدارٍ قصيرٍ لا يمنع إنساناً من القفز، لكنه يمنع الفكرة نفسها. وراء البوابة يبدأ طريقٌ ضيّق نحو التلال ثم ينتهي عند غابةٍ لا نسمّيها “غابة” بل “المنطقة”. والتسمية هنا ليست لتوضيح المعنى، بل لتفريغه: “المنطقة” تعني شيئاً لا يجوز أن تسأل عنه كثيراً.
حين كنتُ طفلاً سألتُ أمّي:
– ماذا يوجد خارج البوابة؟
قالت وهي تضع الخبز في الفرن:
– يوجد ما لا نحتاجه.
ثم أضافت:
– والاحتياج بداية المصيبة.
لكنني كبرت، أو على الأقل كبرتُ بما يكفي لأُتّهم بالأسئلة. في ذلك الصباح، وبينما كان الرجال يحدّقون في البئر، رأيتُ على الأرض قرب حافة الساحة شيئاً غريباً: قطعة معدن صغيرة بحجم كفّي، ملساء، عليها خطوطٌ دقيقة. رفعتُها فشعرتُ ببرودةٍ لا تنتمي إلى هنا.
جاءت زوجتي مريم خلفي. نظرت إليّ كما لو كنتُ أقف قريباً من ارتكاب خطأ. قالت:
– ارمِها.
قلت:
– من أين جاءت؟
قالت:
– من خارجك.
كانت الإجابات في القرية تكره الاتجاهات. ومع ذلك، لم أستطع أن أتجاهل القطعة. أخذتُها إلى البيت ووضعتها على الطاولة. جلستُ قبالتها ساعاتٍ دون أن أفعل شيئاً، وكأنني أنتظر منها أن تعتذر وتشرح نفسها. لكن الشيء الغريب في القرية أنّ انتظار “الشرح” يبدو دائماً نوعاً من العصيان.
قُرب المساء، طرق الباب رجلٌ لم أرَه من قبل. كان وجهه مألوفاً بطريقةٍ مخيفة، كأنني رأيته في حلمٍ ثم نسيته عمداً. قال دون مقدّمات:
– حضرتُ من مكتب الوقت.
ضحكتُ دون قصد. الضحك عندي كان دفاعاً بدائياً، لكنه هنا بدا وقاحة.
قال بجدّيةٍ كاملة:
– لا تضحك. نحن لا نعمل من أجل المزاح.
دخل دون إذن. جلس على كرسيّنا الخشبي كما لو كان كرسيه. أخرج دفتراً صغيراً، لا أوراق له بل صفائح رقيقة، وأخرج قلماً. ثم سألني:
– هل التقطتَ شيئاً اليوم؟
نظرتُ إلى القطعة على الطاولة.
قال:
– نعم، هذه. إنها جزءٌ من جهازٍ خارج الحدود. سقطت بسبب “اختلاف السرعة”.
لم أفهم “اختلاف السرعة”؛ فهنا لا توجد سرعة أصلاً. قلت:
– نحن… الزمن متوقف عندنا.
رفع رأسه ببطء، وفي عينيه شيء يشبه الشفقة أو الاحتقار، ولم أستطع التفريق.
قال:
– الزمن لا يتوقف. الناس يتوقفون.
ثم أضاف وهو يقلب الصفائح:
– وأنتم توقّفتم بطريقةٍ جيدة جداً.
سألته، وأنا أضغط على الكلمات كي لا تهرب:
– ماذا تقصد؟
قال:
– قريتكم “حافظة”. مثل صندوقٍ يوضع فيه شيءٌ لا يجوز أن يفسد. أنتم مادةٌ محفوظة.
شعرتُ بأنّ الغرفة ضاقت قليلاً. لم تكن الجدران تتحرّك، لكن الهواء بدا محاصراً بمعنى جديد. قلت:
– ولماذا نحن؟
قال:
– لا تسأل “لماذا”. هذه صيغةٌ تخصّ العاطفة. اسأل “بموجب ماذا”.
فتّش في الدفتر، ثم قال بنبرةٍ تُقرأ منها الإجراءات:
– بموجب قرارٍ قديم صادر عن… جهةٍ لن تفهم اسمها. الهدف: منعكم من “التقدّم”.
– لكن العالم يتقدّم؟
ابتسم ابتسامة صغيرة:
– العالم تقدّم قروناً. أنتم لم تتقدّموا دقيقة. وبين الاثنين فراغٌ لا يمكن ردمه دون أضرار جانبية.
قلت:
– أضرار على من؟ علينا؟
قال:
– على النظام.
كان لفظ “النظام” هنا أثقل من الجبل. شعرتُ أنني متهمٌ بجريمةٍ لم أرتكبها: جريمة أن أكون موجوداً في موضعٍ خاطئ من التاريخ.
أشار إلى القطعة المعدنية:
– هذه فتحة.
قلت:
– فتحة إلى أين؟
قال:
– إلى الواقع.
ثم أخرج من جيبه شيئاً آخر، شبيهاً بإبرةٍ قصيرة. وضعها على القطعة فارتجفت القطعة ارتجافاً خفيفاً، وسمعتُ صوتاً لم أسمعه من قبل في القرية: “طنين كهربائي”، كأنه حشرةٌ من زمنٍ آخر.
في تلك اللحظة بالذات، حدث شيءٌ لا يستطيع عقلي أن يسميه. انشقّ الهواء قرب الطاولة انشقاقاً ضيقاً، ليس شقاً يُرى بالعين بقدر ما يُحَسّ كأنك تشعر بتيارٍ بارد يمرّ من ثقب. ومن ذلك الانشقاق رأيتُ -أقسم أنني رأيتُ- ضوءاً أبيض، وظلال أشياء لا تشبه أشياءنا: أشكالٌ مستقيمة، مربعات تتحرك، وحروف تلمع ثم تختفي بسرعةٍ لا تسمح للمعنى أن يلتقط نفسه.
ثم سمعتُ أصواتاً بعيدة: صفيراً متقطعاً، وهسيساً، وكلمةً واحدة واضحة بالعربية لكن بلكنةٍ غريبة:
“تحديث”.
تراجعتُ خطوة، واصطدمتُ بزوجتي مريم. لم أكن أعلم أنها كانت خلفي. همستْ:
– قلت لك ارمِها.
الرجل من مكتب الوقت لم يلتفت إليها، كأنه لا يراها أو لا يحقّ له رؤيتها. قال لي:
– لا تُطِل النظر. النظر يُنشئ علاقة.
ثم أغلق الانشقاق كما يغلق موظّفٌ دُرجاً فيه أوراق.
سألته بصوتٍ منخفض:
– هل يعرف أهل القرية؟
قال:
– يعرفون بما يكفي ليطيعوا.
قلت:
– ومن الذي أقنعهم؟
قال:
– ليس الإقناع دائماً ضرورياً. يكفي أن تمنح الناس اسماً لما يخافونه. أنتم تسمونه “التقدّم”. وأنتم تكرهون التقدّم لأنكم تعتقدون أنه سرقةٌ من الطمأنينة.
جلستُ على الكرسي كأنني أُسقِطتُ من مكانٍ أعلى. قلت:
– إذا كان العالم تقدّم قروناً… فماذا نحن بالنسبة لهم الآن؟
قال:
– أنتم أثر.
ثم صحّح نفسه:
– بل تجربة.
وقف واستعدّ للمغادرة. قلتُ بسرعة:
– هل يمكنني العبور؟
حدجني بنظراتٍ حادة:
– العبور ليس مسألة شجاعة. العبور مسألة قابلية.
ثم أضاف وهو يفتح الباب:
– وربما مسألة إذن.
حين خرج، بقيتُ وحدي أمام الساعة المعلقة. السابعة وثلاث عشرة دقيقة. شعرتُ فجأة أنّ الرقمين ليسا ثابتين.
في اليوم التالي ذهبتُ إلى الساحة. كان الرجال عند البئر كعادتهم. اقتربتُ من الشيخ أمين وقلتُ:
– هل تظن أننا محفوظون؟
لم يسأل ماذا أعني، قال بهدوء:
– نحن آمنون.
قلت:
– آمنون من ماذا؟
قال:
– من الفقد.
نظرتُ إلى وجوههم. لم تكن وجوهاً سعيدة، لكنها وجوه متصالحة مع جمودها. ورأيتُ في أعينهم شيئاً آخر: ليس خوفاً من الخارج، بل خوفاً من اكتشاف أنهم لم يُخدعوا فقط، بل “شاركوا” في الخدعة؛ لأنّ الخديعة حين تصبح جماعية تتحوّل إلى قانون.
في تلك الليلة، لم أنم. وضعتُ القطعة المعدنية في جيبي وذهبتُ إلى بوابة الحافة. كان الحديد بارداً. دفعتُ الباب فصدر صريرٌ طويل، صريرٌ لم يُسمع منذ زمنٍ ربما لأنه لم يكن هناك زمنٌ ليسمعه.
خطوتُ خطوة واحدة خارج القرية.
لم يحدث انفجار. لم يسقط عليّ عقاب سماوي. فقط… شعرتُ أنّ رئتَيّ تحتاجان إلى تدريبٍ جديد. وسمعتُ شيئاً كخفقٍ بعيد، كأنه قلب المدينة.
ثم، في الظلام، رأيتُ في البعيد ضوءاً يتحرك سريعاً على الطريق -ليس مشعلاً ولا قمراً- ومعه صوتٌ يقترب: هديرٌ منتظم، لا يشبه شيئاً عرفته.
في تلك اللحظة فهمتُ معنى “اختلاف السرعة”: لم أخرج إلى مكانٍ آخر فقط، إنما خرجت إلى “زمنٍ آخر”، زمنٍ يجري كالنهر، وكأنني طفلٌ يحاول أن يتعلم السباحة.
استدرتُ ونظرتُ إلى القرية خلفي. كانت صامتة، مطمئنّة، واقفة داخل رقمين على ساعة. شعرتُ بالرغبة في أن أعود، خوفاً من أن أكون وحدي في القرن الذي لا يعرف اسمي.
مددتُ يدي إلى القطعة في جيبي. كانت باردة. كأنها تقول: الباب الذي فُتح لا يُغلق.
وأكملتُ سيري.



أضف تعليق