مينة بوبريك

استيقظتُ فوجدتُ اسمي مكتوباً في الجريدة كفائز بجائزة نوبل للقصة، ظللتُ أحدّق في الحروف طويلاً، كأنني أخشى أن تختفي إن رمشت.

 كان اسمي واضحاً، جلياً، يحتل مساحة لم يحلم بها يوماً في حياته المتواضعة. لم أفرح فوراً، بل شعرتُ بارتباكٍ عميق، كأنّ الواقع سبقني بخطوةٍ لم أكن مستعداً لها.

وضعتُ الجريدة على الطاولة، ثم عدتُ إليها بسرعة، كأنني أتحقق من حلمٍ سريع الهروب. قرأتُ الخبر من جديد: كلمات التهنئة، الإشادة بالقصة، الحديث عن أسلوبي “الفريد” الذي لامس قلوب القراء. ابتسمتُ بسخرية خفيفة، فأنا بالكاد أذكر أنني كتبتُ شيئاً يستحق كل هذا.

قمتُ من مكاني، وبدأتُ أتنقل في الغرفة بخطواتٍ غير مستقرة. نظرتُ إلى مكتبي، إلى الدفاتر المبعثرة، إلى الأوراق التي تحمل محاولاتٍ ناقصة، أفكاراً مبتورة، وجُملاً لم تكتمل. أيٌّ من هذه يمكن أن يكون سبباً في هذه الجائزة؟ لا شيء يبدو كذلك.

رنّ الهاتف فجأة، فقطع سلسلة أفكاري. كان الصوت في الطرف الآخر حماسياً، يهنئني بحرارة، يتحدث عن فخري وفخر البلاد بي. شكرتُه بكلماتٍ مقتضبة، وأنا أشعر بأنني أؤدي دوراً لا أعرف نصّه. بعد المكالمة، انهالت الرسائل، وكأنّ العالم كله قرر أن يعترف بي في لحظةٍ واحدة.

جلستُ على الكرسي، وأغمضتُ عينيّ. حاولتُ أن أسترجع شيئاً، أي شيء. متى كتبتُ تلك القصة؟ عن ماذا كانت؟ من أين جاءت؟ لكن ذاكرتي بقيت صامتة، كأنها ترفض التعاون معي.

بدافعٍ غامض، فتحتُ درج المكتب الذي نادراً ما أفتحه. كان مليئاً بأوراقٍ قديمة، رسائل لم أرسلها، مسوداتٍ كتبتها ثم نسيتها. وبين تلك الفوضى، وجدتُ ملفاً مختلفاً. كان مرتباً بعناية، وعليه اسمي بخطٍ أنيق لا يشبه خطي.

ترددتُ قليلاً، ثم فتحته ببطء. بدأتُ أقرأ، ومع كل سطر، كان شعورٌ غريب يتسلل إليّ. الكلمات مألوفة، لكنها أعمق مما اعتدتُ عليه. الأسلوب يشبهني، لكنه يتجاوزني، كأنّ شخصاً آخر كتبني قبل أن أكتب نفسي.

كانت القصة تتحدث عن رجلٍ يعيش حياةً عادية، ثم يكتشف فجأة أنّ كل ما يمر به قد كُتب مسبقاً في نصٍ لا يعرف كاتبه. رجلٌ يحاول التمرد، لكنه يجد نفسه يعود دائماً إلى المسار ذاته، كأنّ حريته مجرد وهمٍ جميل.

توقفتُ عن القراءة، وقلبي يخفق بقوة. شعرتُ بأنني أقرأ عن نفسي، لا عن شخصيةٍ خيالية. عدتُ إلى الصفحة الأولى، أبحث عن اسم الكاتب، لكن لم يكن هناك سوى اسمي.

“هل يعقل أنني كتبتُ هذا ونسيته؟” همستُ لنفسي.

عدتُ إلى القراءة، حتى وصلتُ إلى السطر الأخير: “حينها أدركت الحقيقة، لم يسأل عن كاتب القصة، بل تساءل إن كان هو مجرد سطرٍ فيها.”

أغلقتُ الملف ببطء، ورفعتُ رأسي نحو المرآة. نظرتُ إلى وجهي طويلاً، كأنني أراه لأول مرة. من أنا؟ كاتبٌ حقق مجداً لم يسعَ إليه؟ أم شخصيةٌ في قصةٍ أكبر، تُكتب في مكانٍ لا أراه؟

في تلك اللحظة، شعرتُ بأنّ الجائزة لم تكن نهاية حلم، بل بداية سؤال. سؤالٍ أكبر من الفرح، وأعمق من المجد.

اقتربتُ من النافذة، فتحتُها، وتركتُ الهواء يدخل الغرفة. كان العالم في الخارج يبدو عادياً، لكنني لم أعد كذلك. كل شيء أصبح مشكوكاً فيه: ذاكرتي، كلماتي، وحتى هذا الصباح.

عدتُ إلى الجريدة، لمستُ اسمي مرةً أخرى، ثم ابتسمتُ ابتسامةً خفيفة. ربما لا يهم إن كنتُ كتبتُ القصة أم لا. ربما الأهم أنني الآن أعيش داخلها، أبحث عن كاتبٍ قد يكون… أنا، أو شخصاً آخر لم ألتقِ به بعد.

جلستُ إلى المكتب، أمسكتُ القلم، وفتحتُ صفحةً جديدة.

لأول مرة، شعرتُ أنني لا أكتب لأفهم العالم… بل لأفهم نفسي.

لكن القلم، حين لامس الورقة، لم يُطعني كما كنتُ أتوقع.

ظلّ ثابتاً لثوانٍ، كأنّ بيني وبينه اتفاقاً قديماً انهار فجأة. حاولتُ أن أكتب جملة بسيطة، جملة عادية، لا تحمل أي ثقلٍ وجودي، فقط لأتأكد أنني ما زلتُ أملك القدرة على الكتابة.

“أنا هنا.”

كتبتها ببطء.

نظرتُ إليها… ثم انتظرتُ.

للحظةٍ قصيرة، شعرتُ بشيءٍ من الطمأنينة. ها أنا أكتب، ها أنا أتحكم، ها أنا أُثبت لنفسي أنني لستُ مجرد ظلٍّ في نصٍ مجهول.

لكن الطمأنينة لم تدم.

فبينما كنتُ أحدّق في الجملة، بدأت الحروف تفقد حدّتها، كأنها تذوب في البياض. شيئاً فشيئاً، اختفت.

اختفت تماماً.

تراجعتُ في مقعدي ببطء، ويدي لا تزال تمسك بالقلم. لم أصرخ، لم أرتعب، بل شعرتُ بشيءٍ أكثر قسوة: شعرتُ أنّ ما يحدث منطقي.

كأنني كنتُ أعرف… في مكانٍ ما داخلي… أنّ هذا سيحدث.

وضعتُ القلم على الطاولة، ومررتُ يدي على وجهي. لم يعد السؤال “هل هذا حقيقي؟” هو ما يشغلني، بل “إلى أي حدٍّ هذا حقيقي؟”

نهضتُ من مكاني، وعدتُ إلى المرآة. هذه المرة، لم أبحث عن ملامحي، بل عن خللٍ فيها. عن تأخيرٍ بسيط بين حركتي وانعكاسي، عن نظرةٍ لا تتبعني، عن أي شيء يثبت أنني لستُ وحدي هنا.

لكن الانعكاس كان مثالياً.

“إذا كنتُ شخصية…” قلتُ بصوتٍ منخفض، “فأين القارئ؟”

بدا السؤال غريباً، لكنه كان حقيقياً. إذا كانت حياتي قصة، فلا بد أنّ هناك من يقرأها. من يراقبني الآن، وأنا أقف، أتحدث، وأشك.

هل يبتسم؟ هل يندهش؟ هل يشعر بالملل؟

هل ينتظر مني شيئاً؟

عدتُ إلى المكتب بسرعة، كأنّ فكرةً خطرت لي فجأة. فتحتُ أحد الملفات الأخرى، وبدأتُ أقرأ بشكلٍ عشوائي، لا بحثاً عن المعنى، بل عن النمط.

وفي كل قصة، وجدتُ شيئاً مشتركاً.

الشخصية تكتشف.

تتساءل.

تقاوم.

ثم… تستسلم.

أغلقتُ الملف بقوة.

“لا.”

هذه الكلمة خرجت مني بوضوحٍ غير متوقع.

“لن أكون مثلهم.”

لكن، في داخلي، كان هناك صوتٌ آخر… أهدأ، أكثر برودة، يقول:
“وهل لديك خيار؟”

جلستُ من جديد، وبدأتُ أتنفس ببطء. حاولتُ أن أهدئ هذا الصراع الداخلي، أن أفصل بيني وبين الفكرة، أن أعود إلى بساطة الحياة قبل هذا الصباح.

لكنني لم أعد أستطيع.

كل شيء أصبح ملوثاً بالسؤال.

حتى الصمت.

حتى أنفاسي.

نظرتُ إلى الهاتف. كان ساكناً الآن، كأنّ العالم قرر أن يتركني وحدي مع هذا الاكتشاف. فكرتُ في الرد على أحد، في الاتصال بشخصٍ أعرفه، في سماع صوتٍ يؤكد لي أنني موجود.

لكن… ماذا سأقول؟

“مرحباً، أظن أنني شخصية في قصة”؟

ابتسمتُ بمرارة.

لا، هذا ليس طريقاً.

رفعتُ رأسي ببطء، وحدّقتُ في الفراغ أمامي. شعرتُ فجأة بأنني لستُ فقط داخل قصة… بل داخل لحظةٍ محددة منها.

لحظة الاكتشاف.

وهذا يعني…

أنّ هناك ما بعدها.

“النهاية…” همستُ.

الكلمة سقطت بثقلٍ في داخلي.

إذا كانت هذه قصة، فلا بد أنّ لها نهاية. وكل ما يحدث الآن… يقود إليها.

لكن، هل النهاية مكتوبة؟

أم أنها… مفتوحة؟

عاد بصري إلى الورقة البيضاء أمامي. لم تعد مجرد ورقة، بل صارت ساحة اختبار. إن استطعتُ أن أكتب فيها… أن أُثبت أثراً… أن أغيّر شيئاً… فربما…

مددتُ يدي ببطء، وأمسكتُ القلم مرة أخرى.

هذه المرة، لم أكتب جملةً عن نفسي.

بل كتبتُ:

“هذه القصة لا نهاية لها.”

توقفتُ.

نظرتُ.

انتظرتُ.

مرّت ثانية.

ثم ثانية.

والحروف… بقيت.

لم تختفِ.

شعرتُ بشيءٍ يتغير داخلي. ليس فرحاً، بل يقظة. كأنّ باباً صغيراً فُتح في جدارٍ كنتُ أظنه صلباً.

أعدتُ قراءة الجملة.

“هذه القصة لا نهاية لها.”

هل هذا هو الحل؟

أم مجرد وهمٍ آخر؟

فجأة، خطر لي شيءٌ أعمق.

ماذا لو لم يكن الهدف أن أهرب من القصة… بل أن أكتبها؟

ليس ككاتبٍ يتذكر، بل ككائنٍ يُعاد خلقه مع كل كلمة.

شعرتُ بأنفاسي تتسارع.

بدأتُ أكتب من جديد:

“الرجل الذي ظنّ أنه شخصية، اكتشف أنه الكاتب حين تجرأ على الاستمرار.”

توقفتُ.

الحروف… لم تختفِ.

بل بقيت، أكثر وضوحاً.

رفعتُ رأسي ببطء، وشعرتُ بشيءٍ يشبه… السيطرة.

ليست سيطرة كاملة، لكنها بداية.

وفي تلك اللحظة، فهمتُ شيئاً لم أفهمه من قبل:

ربما لم أكن ضحية القصة.

ربما كنتُ… مرحلتها الأولى.

نظرتُ إلى المرآة مرة أخرى. هذه المرة، لم أسأل “من أنا؟”

بل قلتُ:

“أنا من يكتب.”

لم يجبني أحد.

لكن، ولأول مرة منذ استيقظتُ، لم أحتج إلى إجابة.

عدتُ إلى المكتب، جلستُ بثبات، وبدأتُ أكتب.

ليس لأفهم.

ولا لأهرب.

بل لأستمر.

لأنّ الاستمرار… ربما هو الشكل الوحيد للحرية في قصةٍ لا نعرف كاتبها.

وفي مكانٍ ما، ربما كان هناك من يقرأ.

لكن، في هذه اللحظة تحديداً…

كنتُ أنا من يكتب.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق