وليد جلال
هناك لحظة صغيرة، لا يلاحظها أحد، تحدث في ممرّات العمر الضيقة: لحظة لا تعلن عن نفسها بوضوح، ولا تترك ختماً رسمياً على الجبين، لكنّها تغيّر كل شيء. في تلك اللحظة – التي قد تقع بين يومين عاديّين، بين صباحٍ لا يختلف عن غيره ومساءٍ يعود فيه المرء إلى غرفته كأنه يعود إلى زنزانته – يبدأ الزمن في الركض.
في الطفولة كان الزمن يمشي.. لا، كان يتوقّف أحياناً، يجلس معنا على الأرض، يراقبنا ونحن نفكّك الأشياء لنفهمها، أو نحدّق في سقف الغرفة لنستخرج منه أشكالاً لا وجود لها إلا لأننا نحن الذين رأيناها. كان اليوم في الطفولة كائناً ضخماً، له أطراف طويلة، يمدّ يده في كل اتجاه. في الصباح يتسع لسؤالٍ واحد، وظهيرة تتسع لألف اكتشاف، ومساء يتسع لخوفٍ واحد كبير: أن يأتي الغد بسرعة. كان الغد في الطفولة وحشاً، وكان يمكننا أن نفاوضه: “تعال بعد أن أنتهي”.
أما الآن، فإنّ الغد لا يأتي. يقف خلف كتفك منذ البداية.
نحن لا نشعر أنّ السنوات تمر أسرع لأنّ الزمن تغيّر، بل لأننا نحن الذين تغيّرنا في علاقته. الزمن كالموظف في دائرة حكومية كبرى: حين تكون طفلاً، يسمح لك بالدخول من الباب الخلفي، يبتسم لك، يريك الأدراج، ويتركك تعبث بالأختام والملفات. وحين تكبر، يضع على وجهه قناعاً رسمياً، ويجلس وراء طاولة مرتفعة، ويطلب منك أوراقاً لا تعرف من أين تأتي بها. ثم، من دون أن يرفع عينيه، يختم يومك ويقول: “التالي”.
في الطفولة لم تكن الأيام متشابهة، كانت متفرّدة، كل يوم يحمل بصمته: رائحة شارع، صرخة طائر، جرح صغير في الركبة يصبح حكاية أسبوع. في الطفولة، حدثٌ واحد قادر على أن يملأ شهراً: زيارة، لعبة جديدة، مشهد عابر. كان العالم ككتابٍ بلا فهرس؛ كل صفحة مفاجأة، وكل سطر اكتشاف. ولهذا كانت الذاكرة تُرصّع الزمن بالعلامات، فتجعله يبدو أطول. أنت لا تذكر طول اليوم لأنّه طويل، بل لأنك تملك فيه علامات كثيرة تُمسك به: لحظات ذات حوافّ.
أما عندما نكبر، فإننا نعيش في مصنعٍ لإنتاج التكرار. نستيقظ بالطريقة نفسها، نسير بالخطوة نفسها، نؤدي الطقوس نفسها، ونعود في المساء كأننا نعود إلى المكان الذي لم نغادره أصلاً. التكرار لا يستهلك الزمن فقط، بل يمحو أطرافه. كأنّ الأيام تُصبّ في قالب واحد، ثم تُسحب منه نسخ متشابهة، فلا يعود العقل قادراً على تمييزها، فيضغطها في الذاكرة كما يضغط الموظف أوراقاً كثيرة في ملفٍ واحد بعنوان: “سنة”.
وهنا يكمن سرّ السرعة المزعومة: ليست السنوات التي تمر أسرع، بل ذاكرتنا التي لم تعد تُسجّلها كما كانت.
ثم هناك سببٌ آخر أكثر قسوة: عندما نكون أطفالاً، نحن نعيش مستقبلنا، أما عندما نكبر، فنعيش ماضينا. الطفل ينظر إلى الأمام، يرى طريقاً واسعاً ممتداً بلا نهاية، فتبدو المسافة طويلة. أما الراشد فيلتفت وراءه أكثر مما يلتفت أمامه، ويكتشف فجأة أنّ الطريق خلفه ليس طريقاً، بل أثر أقدام يختفي بسرعة في الرمل. كل التفاتة إلى الوراء تجعل السنين تبدو وكأنها انزلقت من تحت قدميه. المفارقة أنّ الزمن لا يُسرع إلا حين نراقبه.
ولأننا نراقبه، نبدأ بارتكاب أكبر خطأ إداري في الحياة: نعامل الزمن كعدوّ، ونحسبه بالأرقام، ونستدعيه إلى طاولة الحسابات. في الطفولة لا نعرف معنى “سنة” إلا كصندوق هدايا بعيد. أما في الكبر، فالسنة تصبح فاتورة. وكل ما هو “موعد نهائي” يمشي أسرع مما ينبغي، لأننا نطارده بقلقنا، ولأنّ القلق يجعل الأشياء تركض.
الطفل لا يملك جدولاً. لهذا يملك الزمن.
أما الراشد فيملك جدولاً يملكه.
هناك أيضاً تلك الآلة الخفية التي تُدار في صدورنا: آلة الاعتياد. في الطفولة، الاعتياد ضعيف، والدهشة قوية. أنت لا تعتاد بسرعة على الأشياء؛ كل شيء يظل جديداً بما يكفي ليؤلمك أو يفرحك. وفي الكبر، نصير محترفين في الاعتياد، نتدرّب عليه يومياً كأننا نتدرّب على فقدان الإحساس. حين تعتاد على شيء، يتوقف عن إضافة “مساحة” إلى حياتك. يصبح حاضراً فقط كوظيفة، كخلفية. والسنوات التي تُعاش بلا دهشة تُعاش بلا امتداد، لأنّ الامتداد ليس في طول الزمن، بل في كثافة التجربة.
إنني أظن -وهذا ظنّ يشبه تقريراً مكتوباً على ورقٍ رديء- أنّ الزمن لا يمر فينا بشكلٍ واحد، بل يمر عبر “الممرّات” التي نفتحها له. الطفل يفتح ممرات كثيرة: أسئلة، ألعاب، خوف بدائي، حبّ سريع، اكتشافٌ يلمع ثم يختفي. والراشد يغلق هذه الممرات واحداً واحداً، لأنه يظن أنه لا يليق به أن يتفاجأ. ومع كل ممرّ يُغلق، يصبح الزمن مجبراً على المرور في ممر ضيق واحد: ممر الواجب.
اقرأ أيضاً
أين تذهب العصافير مساءً؟
أيام تسقط بين أصابعي
عِندَما كُنَّا صِغاراً
هل فقدنا الطفل الذي بداخلنا؟
أصوات أطفال غزة التي لم تُسمع
وممر الواجب ضيق إلى حدّ أنّ الزمن حين يمر فيه يبدو كأنه يمرّ أسرع.
ثم هناك تلك الحقيقة التي نتجاهلها لأنّها جارحة: الطفولة لا تعرف الموت كما يعرفه الكبار. الطفل قد يسمع كلمة “الموت” كما يسمع كلمة “بعيد”، لكنه لا يملك لها صورة كاملة. أما الراشد فيحمل الموت مثل بطاقة تعريف في جيبه، يلمسها كل حين ليتأكد أنها ما تزال هناك. وحين يصير الموت حاضراً في الوعي، يصبح الزمن ذا قيمة، وحين يصبح ذا قيمة يتحوّل إلى شيءٍ قابل للسرقة. نحن لا نقول: “مرّت سنة” إلا لأننا نعتقد أنّ هناك شيئاً قد سُرق. في الطفولة لا نشعر بالسرقة، نشعر باللعب.
ما الذي يحدث إذن؟ لماذا يستيقظ المرء فجأة في منتصف العمر ويجد أنّ السنوات صارت قصيرة كأنها رسائل مقتضبة؟
أحياناً أتصوّر أنّ الزمن ليس خطاً، بل غرفة أرشيف ضخمة. في الطفولة تُسجل حياتنا على ملفات صغيرة عديدة، كل ملف يحمل عنواناً واضحاً: “يوم المطر”، “زيارة الجدّة”، “أول مرة رأيت البحر”، “الخوف من الظلام”. وعندما نكبر، يبدأ موظف ما -موظف مجهول لا اسم له- بدمج الملفات توفيراً للمساحة: “عام الدراسة”، “عام العمل”، “عام المشاكل”، ثم يضغطها كلها في ملف واحد: “سنوات”. وعندما نطلب استرجاع التفاصيل، يعتذر: “لا توجد تفاصيل، لقد تمّت الأرشفة”.
لا يمر الزمن أسرع في الواقع، بل يُحذف منه الكثير في التسجيل.
وإذا كانت هذه الفكرة قاسية، فهي أيضاً قابلة للمقاومة. من خلال أن نتوقف عن العيش كموظفين في حياتنا. أن نعيد فتح ممرات الدهشة، ولو بتعمّدٍ خجول. أن نسمح لليوم الواحد أن يحمل علامة. علامة واحدة تكفي لتمنعه من الذوبان في غيره. أن نكسر التكرار لأنه أداة الزمن المفضلة لإخفاء نفسه.
ربما لهذا يشعر بعض الناس أنّ السنوات لا تزال بطيئة: لأنهم يكتبون على هامش أيامهم. ولا يسمحون لليوم أن يمر دون أثر. فهم ما زالوا، بطريقة ما، يفاوضون الغد: “تعال بعد أن أنتهي”.
لكن الحقيقة الأكثر إثارة للرعب هي أنّ إحساسنا بسرعة السنوات ليس خطأً في الإدراك فقط، بل رسالة. رسالة مختومة بختمٍ لا نراه، تقول: لقد صرتَ قابلاً للضغط، وقابلاً لأن تُسجَّل حياتك كملف واحد. وكلما قبلت بذلك أكثر، ركض الزمن أكثر. وتكون بذلك أنت الذي سلّمت نفسك إلى نظامه.
في الطفولة، كنا نعيش الزمن من الداخل.
في الكبر، نعيش الزمن من خارجه، كأننا نراقب قطاراً يمرّ، ونصرخ: “أبطئ!” بينما نحن الذين ابتعدنا عن السكة.
ولعل السؤال الحقيقي لا يكون بالإدّعاء بأنّ السنوات تمر أسرع، بل: متى توقّفنا عن منحها سبباً لتبدو طويلة؟
إذا أردتَ أن تستعيد بطء الزمن، فلا تطلب من السنوات أن تهدأ؛ اطلب من نفسك أن تعود إلى صناعة العلامات: دهشة واحدة صادقة، خوف واحد تُواجهه بدل أن تؤجله، قرار واحد لا تتخذه بشكل آلي، لقاء واحد لا تُعامله كواجب. هذه محاولة جادة لإعادة فتح نافذة في زنزانة الزمن.



أضف تعليق