*محمد أبوالخير السعيد ستو
ماذا لو أخبرتك أنّ مباراة الليلة التي ستُبث مباشرةً لن تُعرض مرة أخرى أبداً؟ ستُعرض الليلة للمرة الأولى والأخيرة، وكما أنه من المستحيل الاحتفاظ بأي نسخة من المباراة أو أهدافها أو أي دليل على إقامتها إلا في ذاكرة من يشاهدها على الهواء مباشرةً الليلة فقط!
– هل سيجعلك ذلك أكثر حرصاً على مشاهدة المباراة أم ستتجاهلها؟
– ماذا لو قلت لك إنّ مباراة الليلة هي حياتك أنت؛ هل ستدرك إذن معناها الحقيقي؟ هل ستحرص على دقائقها المؤقتة بعد الآن؟ هل ستتركها وتزهد عنها؟ هل ستُبالي بها بعد الليلة؟
الناس جميعاً لا يملكون حقائق مؤكدة ومُجربة عن الحياة إلا كونها مؤقتة، لا نعرف بالدليل ماذا يحدث بعد الموت، ولا يعلم أحدنا من أين جئنا قبل أن نُولد، كل هذه غيبيات تفترضها الأديان والفلسفات، يؤمن بها الكثير (وأنا منهم)، وينكرها آخرون، بيد أنّ هناك حقيقة واحدة يتفق عليها جميع البشر ولا يمكن لأحد إنكارها، وهي أنّ الحياة تنتهي، عاجلاً أو آجلاً، لتُصبح كل ما حدث فيها كأنه لم يكن!
الإنسان، بما وهبه الله من عقل وإدراك، هو الكائن الوحيد على هذه الأرض الذي يعرف أنه سيموت وينتهي، هو الوحيد المُدرك لفنائه وزواله، ليس فقط كوجود ذاتي، ولكنه يدرك أيضاً أنّ كل الموجودات من حوله فانية وزائلة، ومهما صوّرت لنا الحياة جمالاً وزينةً، سيأتي الوقت الذي ينتهي فيه كل ما ظنناه دائماً أو باقياً، ويفنى ما حسبناه طويل الأجل ولن يفنى!
إذن؛ لو وضعنا الحياة موضع مباراة الليلة التي لن تتكرر مجدداً، فستغدو أكثر تشويقاً وستجعل الإنسان أكثر حرصاً على إدراكها!
قراءة نجيب محفوظ ككاتب يبحث عن الحِرفة والإنسان
“المسخ” إحدى روائع فرانز كافكا… عن قرب
ما أحتاجه كشاعر
لكن ماذا عن الأصل في إدراك الإنسان للحياة والفناء في الأديان السماوية والنظريات الفلسفية عن هذه الحياة المؤقتة؟ نجد أولاً أنّ الأديان السماوية أكدت بشكل أساسي على حقيقة فناء الأشياء وكونها مؤقتة، فأمرت الناس بالتنزه عن نواقص العيش، والتعلق بما هو دائم وهو النعيم في الآخرة، جاء ذلك في قول المولى عز وجل في كتابه الكريم:
“أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ”.
أما الفلاسفة والمُفكرون فقد اختلفوا في مفاهيمهم عن الحياة والفناء، نرى مثلاً الإمبراطور والفيلسوف ماركوس أوريليوس، أحد كبار رواد المدرسة الرواقية، يُقلل من قيمة الحياة في كتابه “التأملات” حين قال:
“كل ما تراه سيزول سريعاً، وكل أولئك الذين يشهدون زوال غيرهم اليوم سيزولون هم أنفسهم غداً، مُتْ في أرذل العمر أو مُتْ قبل الأوان.. كلاهما سيان!”
للوهلة الأولى، لو أسقطنا تلك الفلسفة على المباراة التي لن تُعرض مُجدداً، تُصبح مباراة بلا قيمة، ومن العبث إضاعة الوقت والمشاعر في مباراة مؤقتة ستصبح هباءً، فإذا تزامن عرض المباراة مع شيء آخر له قيمة أخروية، فسيكون لهذا الشيء الآخر الأولوية القصوى!
وبالرغم من منطقية هذه النظرية، إلا أنّ هناك فلاسفة آخرين نظروا للحياة من زاوية مُعاكسة، يرون أنّ الفناء هو أصل الحياة، والموت هو مصير كل الأحياء وهو الباعث الأساسي للحياة، ولذلك؛ لا يجب أن يردعنا الفناء عن العيش، بل العكس؛ يجب أن يدفعنا للعيش بأقصى إمكانياتنا والتمتع بكل ما هو زائل قبل فوات الأوان، هذه النظرة تُشبِّه الحياة بثلاجة مليئة بالطعام اللذيذ، لكن كل هذه الأطعمة ستنتهي صلاحيتها بعد أسبوع، أليس من العقل أن يأكل المرء كل ما لذ وطاب قبل أن يفسد الطعام؟
هذه النظرية الأخيرة تتبناها الفلسفة الأبيقورية الشهيرة، حيث ترى أنّ اللذة والاستمتاع هما الغرض الرئيسي من الحياة، وأنّ الركض وراء اللذة المؤقتة هو ما يجب على الإنسان فعله لتحقيق السعادة. فاللذة هي الخير المُطلق، وعلى كل حكيم أن يسعى إليها، بمعنى أنّ كوْن المباراة مؤقتة يدفع إلى مشاهدتها لا الزهد فيها، بل أكثر من ذلك: الزاهد عن الأشياء المؤقتة هو أكثر الناس حماقة، لأنه يترك الخير الذي بيده من أجل غدٍ غير مضمون!
ومع ذلك، هناك نظريات أخرى أكثر تشاؤماً. فنرى مثلاً الفلاسفة المتشائمين، أو ما يُعرف بالكلبيين، الذين يرون أنّ اللذة الخالصة مستحيلة، شوبنهاور مثلاً في كتابه “فن العيش الحكيم”، يقول:
“كل لذة، وإن صغُرت، تحتوي في طياتها على قدرٍ من الألم، حتى ولو كان الألم هو ألم السعي لنيل هذه اللذة أو المجهود المبذول للحصول عليها. ولذلك، فإنّ الألم في الحياة هو المقابل المدفوع لنيل اللذة، لا العكس”.
وبالتالي، كان على الإنسان الحكيم أن يتجنب الصراع على اللذة وصرعة الألم!
من النظريات والآراء الفلسفية المختلفة عن تفسير الحياة وفنائها، نستنتج أنّ الدنيا وكل ما فيها مؤقت، الزهد في الحياة هنا لا يعني الانصراف عنها تماماً، بل الاعتدال في الانغماس بها. هذا بالنسبة لآراء البشر، أما الحقيقة، فقد لخّصها رب العالمين في الآية الكريمة:
“لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ”.
الآية تدعونا إلى عدم الفرح العميق أو الحزن العميق على أشياء مؤقتة، لكنها تعني أيضاً أن نفرح كما نريد دون أن ننسى أنّ الفرح ذاته مؤقت، وأن نحزن دون أن ننسى أنّ الحزن أيضاً مؤقت، فوقتية الأشياء لا تمنعنا من تقديرها، لكنها تحمينا من الانغماس الزائد فيها، حتى لا نظن أنها دائمة فتكون النتيجة الغفلة والندامة.. إذن نعود ونسأل السؤال الأهم:
هل ستشاهد مباراة الليلة التي لن تُذاع مرةً أخرى أم ستزهد عنها؟
*قاص وروائي وسيناريست



أضف تعليق