رضوى العسكري

لم أذق الحلوى في طفولتي. كنت فقيراً أبيع النعناع للمارة، أتنقل بين السيارات، علَّ أحدهم يرفق بهذا الطفل الذي لا يملك قوت يومه.

مرّت الأيام، وأصبحتُ في ريعان شبابي. انتقلت من غياهب الفقر إلى رغد العيش، وتحوّل حالي من طفل لا يعرف شكل الحلوى إلى شاب فتح الله عليه من الرزق أبواباً شتى.

اليوم رأيتُ طفلاً أعاد إليَّ تلك الذكرى؛ كأنما فُتحت بوابة للماضي فرأيت نفسي فيه. كان مثلي تماماً: حافي القدمين، أغبر الثياب، يتنقل بين هذا وذاك آملاً أن يشتري أحدهم ولو حزمة واحدة من النعناع الذي يضُمّه بين يديه، كأنما هو كل ما يملك.

لم أفكر كثيراً. ذهبت إليه، واشتريت منه النعناع كله، وأعطيته ما يفيض عن ثمنه ليشتري الحلوى التي لم أذقها في صغري.

نظر إليَّ نظرة امتنان، وشكرني بحرارة، وأنا أتطلع إليه ما بين حنينٍ إلى الماضي ورهبةٍ من الرجوع إليه.

عدتُ إلى منزلي، وصنعت كوباً من الشاي، وأضفت إليه ثلاث ورقات من النعناع.

كان لهذا النعناع مذاقٌ خاص؛ مذاقٌ يجمع بين عبق الماضي وحلاوة العطاء.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق