نورهان عبدالله
العزف كهواءٍ يتنفسه، لم يقف عند بيتهوفن كأداةٍ محركةٍ لآماله، أو أنهما يتشابهان في أحلامهما معاً، بل كانت أحلاماً صادقة كوجعٍ لا يلتئم، امتدت شطحاته.
هو يعلم بقدرات عقله، خسر سمعه، لكنه لم يخسر بصره أو حديثه يوماً عن قدوةٍ يمثلها أمامه، كما يمثل الطفل البكاء أمام أمه ليفصل بين عناده وبين حنانها.
أخذ مهدئاً فُرض عليه تناوله منذ صغره، قال الأب محدقاً فيه بقوة:
– إنتَ ما بتسمعش الكلام ليه؟ مش كفاية تحصيلك الزفت في المدرسة؟
لم يكتفِ بالبكاء، صرخ قلبه قبل أن تصرخ أذنه على قلة انتصاره في سماع الموسيقى، أو كل ما هو جميل حوله.
قال أبوه مرتبكاً بخوفٍ عليه:
– الموسيقى حرام، مش قولتلك تلبس السماعات؟ يعني إيه بتوجع ودانك؟!
انتقل إلى غرفته مسرعاً، وألقى بجسده على الفراش مستسلماً لذرات الهواء التي تلفح خديه، وراح يسمع الموسيقى دون سماعات في أذنه.
– هي دي الحاجة الحلوة اللي فضلالي.
لم يسمح لعواطف عابرة أن تدمر إحساسه بالموسيقى، راح يخرج من جيبه الواسع وكنزته صورةً لبيتهوفن، ثم أغلق الموسيقى:
– يعني كان لازم نكون شبه بعض.. ما ينفعش واحد بس فينا ما يسمعش!
ألقى بالصورة على المكتب، وهرب من الحجرة إلى الحديقة، ثم منها إلى حجرة الموسيقى في المبنى المجاور، واقتلع كنزته، ووقف عاري الصدر، ثم بكى…
كفكف دموعه، وانتصب بجانب البيانو، وأخرج مقطوعة بيتهوفن الموسيقية، وبدأ يستجمع تركيزه محاولاً التغلب على إعاقته.
ثم دخل أبوه إلى المبنى بعد سماع صوت البيانو، بحزمٍ وصوتٍ آمر:
– مش قولتلك الموسيقى حرام؟
– بس أنا بحبها.
– الموسيقى حرام.. حرام.. حرام.
أخذ كنزته، وعاد إلى غرفته، وأغلق الباب، وهو يردد في صمت، وبيده صورة بيتهوفن، لالتصاقهما بفقدان السمع وحب الموسيقى:
– كان نفسي… نفسي…
أوقف الحديث مع نفسه، ثم عاد إلى حجرة الموسيقى وكسر البيانو، فطارت عصافير من على النافذة لتلتصق بجذع شجرة كان قد سمع صوتها وهو يعزف من قبل.



أضف تعليق