فراس عبد الخالق
لم يكد يفرك عينيه ليطرد سُلافة النوم التي نالها من قيلولته، حتى ظهر أمامه أولاده الثلاثة، متراصّين جنباً إلى جنب وهم يضحكون… وكأنه فرك مصباح علاء الدين!
قال الأكبر:
– بابا، تعال والعب معنا لعبة القتال الجديدة، إنها من أشهر الألعاب المنتشرة على الإنترنت هذه الأيام.
همَّ الأوسط بالتعليق، إلا أنه تردد في اختيار كلماته، لنمو عادة شكٍّ تُمسك عقله من تلابيبه، تجعله يفكر أكثر من مرة قبل أن ينطق شيئاً. ارتاح لكونه تمتم بحروف لها وقع الكلمات.
أما الأصغر، فلم يكن قد تعلم الكلام بعد، إلا أنه طفل أفعال لا أقوال، فجَرَّ الوالد من ذراعه…
وهوووب…
استقر الأربعة أمام الحاسوب.
ولأنه كان يحب صوت الرصاص، فقد أمرهم بخفض الصوت إلى مستوى الحرية.
بدأت اللعبة برجل يتوسط الشاشة، وفوقه وتحته كلمات لاختيار ملابسه وأسلحته وساحة المعركة ومن سيكون خصمه.
الأكبر ممسك بعصا التحكم، والأوسط والأصغر يقترحان – حسب قابليتهما – ما يجب أن يختار.
اللعبة لها اسم مختصر تُعرف به، مكوّن من أربعة حروف.
“من استعاض عن الكلمات بالحروف، سيستعيض عن الحروف بالخواء، وسيصبح الخواء فصاحة…”
هكذا سرحت به أفكاره، بينما كان ابنه الأكبر يمارس دكتاتورية عصا التحكم.
كان الوالد مستمتعاً بالمشهد… رغم أنّ المعركة لن تكون حقيقية.
تذكّر أنه أنهى، منذ أيام، دراسته الجامعية، وسيخدم الوطن، مُكرهاً، لمدة سنة ونصف، ومن بعدها سيتزوج، وسيحكي لأولاده عمّا رآه من عقارب في صحراء الوطن، وكيف كان الضابط يعامله بجلافة، رغم أنّ الفارق العلمي بينهما يقارب السنة الضوئية.
كان البلد على وشك حرب مع بلد مجاور له، ولكن ليس كل ما يقترب يحدث، فكم من مرة تتناوش البلاد بالكلام… وتشد الحزام… ثم لا شيء… والسلام!
صوت عالٍ يناديه بحرفين يعبّران عن وضعه العسكري:
– ج. م. محمود!
اخترق الصوتُ العاصفةَ المزمجرة في ساحة المعركة، ليصل إليه واضحاً، فردّ محمود بأعلى صوته على النقيب، آمر وحدة المدفعية:
– نعم سيدي.
وبلع ريقاً لم يجده في حلقه.
– تقدّم إلى الأمام، وشاغل العدو بالرمي، حتى يتمكن زملاؤك الجنود من تحديد مسافة الرمي، كي ندمّرهم بصواريخنا.
– حاضر سيدي…
ردّ محمود بما تبقّى من صوت في جوفه.
ارتمى على الأرض، وبدأ بالزحف نحو الأرض الحرام، بيده سلاح الكلاشنيكوف، وفي فمه يختبئ غبار أرض الوطن، والخوف يتورم بداخله كلما زحف مسافة قدم باتجاه العدو.
وصل إلى ربوة مرتفعة، مكّنته من رؤية أطراف خوذ أربعة جنود أمامه، صوب سلاحه نحوهم، ولكن ابنه الأوسط صرخ:
– هنالك المزيد منهم! على اليمين… على اليمين…
فعَدَل ابنه الأكبر عن نية التصويب على الأربعة، وواصل محمود الزحف باتجاه اليمين، كي يتموضع بشكل أفضل ويختار ساتراً طبيعياً، إذ إنّ الحرب نصفها جغرافيا.
مَن قدِموا من جهة اليمين، كانوا غزاةً من آكلي الحدود، من الذين لا تعني لهم الجغرافيا شيئاً.
كانت الحرب قد أكثرت من أوزارها، واحتُلّ البلد في بضعة أيام، وكأنّ الأمر لعبة حاسوب، مكوّن اسمها من أربعة حروف.
واصل محمود زحفه باتجاههم، على أمل الوصول إلى شجرة تحول بينه وبين مناظيرهم الدقيقة، رغم أنّ معلومات الشاشة تشير إلى عبثية هذا القرار، وصمود هذه الشجرة أمام تكنولوجيا متقدمة.
بمرور الوقت، وتطاير الجنود كهشيم المحتضر، أضحى محمود آخر من بقي يزحف في أرض المعركة من الجنود المكلّفين.
كان يرجو أن يسجل هدفاً شرفياً، أن ينتقم للساقطين من جنود الوطن.
ما إن وصل إلى شجرة، وتلحّف بظلّها، حتى نهض بشكل بطيء، مستديراً بوجهه نحو بحر الرمال المنبسط أمامه، ومستنداً بظهره إلى الشجرة.
سحب نفساً عميقاً، تسرب من رئته إلى جسده، ولم يستطع العثور عليه ليزفره مرة أخرى.
تمتم بالشهادة، وطلب المغفرة من الله سبحانه، ثم اندفع راكضاً نحوهم وهو يطلق الرصاصات باتجاههم.
سقط أولهم بلحظة، وتبعه الآخر.
جذبت الحركة أنظار البقية من جنود العدو، فبادلوه رمياً برمي، ولكنه كان يسرع الجري، وولده يسرع بالضغط على أزرار عصا التحكم…
حتى ألقى أحد الجنود قنبلة يدوية باتجاه محمود.
طارت القنبلة في الهواء، واستقرت بجانبه.
حاول الهرب قفزاً، إلا أنّ الضوء الساطع ملأ عينيه، وصكَّ سمعه صوت الانفجار… ثم سقط ميتاً.
كان ممددًا على الأرض، جثة هامدة.
كل جسمه كان منبسطاً، إلا أنّ ذراعه اليمنى كانت منحنية باتجاه رأسه.
صرخ الأوسط بالأكبر:
– لِمَ لمْ تعطِني الفرصة كي ألعب هذا الدور؟ لقد قتلت اللاعب الوحيد الباقي على قيد الحياة!
غضب الأكبر، وصرخ بوجه أخيه بما يبدو وكأنه احتجاج منطقي ورد عقلاني، شابَه الكثير من الزبد، واندفعا معاً نحو أمهما، في سباق حول من يفوز بسبق الشكوى قبل أخيه.
بقي الأصغر لوحده في الغرفة.
تمعّن في الشاشة التي تتوسطها جثة افتراضية، كانت ضحية لحرب افتراضية، وقد جنى عليها من ينبغي أن يتخذه قدوة في المستقبل: أخوه الأكبر.
دار الصغير برأسه بحثاً عن أبيه… فوجده مرمياً على الأرض.
كل جسمه كان منبسطاً، إلا أنّ ذراعه اليمنى كانت منحنية باتجاه رأسه.
قال الأصغر بصوت خفيض:
– بابا… نام.



اترك رد