حامد موسى*
منذ أن شعر باقتراب العيد، بدأ يجهّز عربته الكارو القديمة كأنها آخر ما تبقّى له من الدنيا.
كانت تحتاج إلى إصلاح كامل. عجلاتها الأربع المصنوعة من إطارات كاوتشوك هرِمت وتشققت، ولم تعد تحتمل الطريق. أمضى ساعات يشدّها ويقوّيها، كأنه يؤخر انهياراً يعرف أنه آتٍ.
ثم انصرف إلى هيكل العربة الخشبي. رقّع ألواحها المتآكلة، وسدّ الشقوق التي خلّفها الزمن، وأعاد تثبيت السياج الخشبي حولها بعناية، كأنه يحمي ذكرى يخشى ضياعها.
وعلى الحواف علّق شرائط ورقية ملوّنة، راحت تتمايل مع الهواء في صمت، تحمل بقايا فرح لم يعد يشبه ما كان.
في الزاوية وقف حماره العجوز مطأطئ الرأس. تأمله طويلاً. لم يعد قوياً كما عرفه، فقد أثقلته السنون وأبطأت خطواته.
في الأيام الأخيرة زاد له الطعام، لا طمعاً في عمل أكثر، بل وفاءً لرفيق رحلة طويلة، شاركه سنوات التجوال في الحارات، منذ كان شاباً يحمل أحلامه فوق تلك العربة ويبحث بها عن رزقه.
عاد بذاكرته إلى أعياد مضت. يومها كانت عربته مقصد الأطفال. يركضون إليها بملابسهم الجديدة، يتدافعون ويضحكون، ويرددون خلفه الأهازيج التي يحفظها عن ظهر قلب:
يا بو علي يا صيّاد
اصطاد وادّيني يا صيّاد
واملا لي مناديلي يا صيّاد
وطرحت الشبكة يا صيّاد
طلعت لي ملكة يا صيّاد
واللي يحب النبي يقول: هاااي… هاااي.
وكانت العربات الأخرى تمر بجواره، فيتبادل الأطفال النداءات والمزاح، ويهتفون ضاحكين: “بتاع العيال أهو… أهو”.
كان العيد يومها يُعرف بأصواتهم، وبصرير الخشب، وبرفرفة الزينة الورقية.
أما اليوم، فقد تغيّر كل شيء.
في صباح أول أيام العيد وقف بجوار عربته، ونظر إلى انعكاس وجهه على قطعة معدن قديمة. رأى تجاعيد لم تكن هناك، وشعراً أبيض استولى على رأسه.
ثم رفع عينيه إلى الشارع، فاكتشف أنه لم يعد يعرفه.
الميكروباصات تعبر مسرعة، تحمل الأطفال خلف نوافذها. والتروسيكلات تملأ المكان بضجيجها الحاد.
أما الأغاني المنبعثة من الهواتف، فلم يجد فيها ما يذكّره بأغاني العيد التي عاش عليها.
وقف كأنه قادم من زمن لم يعد أحد يتذكره.
انتظر الأطفال الذين كانوا يركضون نحوه كل عام، لكنهم مروا بجانبه دون التفات.
صعد معظمهم إلى التروسيكلات أو الميكروباصات، ومن اقترب من عربته تراجع سريعاً، كأنها لم تعد تستحق التجربة.
شعر بفراغ ثقيل يملأ صدره. وسأل نفسه في صمت:
هل يعرف أطفال اليوم تلك البهجة التي عرفناها؟
هل يسمعون صوت الشرائط الورقية وهي تراقص الهواء؟
هل يشعرون بسحر عربة تمضي ببطء، كأنها تسير داخل حلم؟
لم يجد جواباً.
حتى عربته بدت غريبة عنه. لم يعد صرير عجلاتها صوتاً مألوفاً، بل أنيناً طويلاً يصدر من قلبها… أو من قلبه هو.
ومع مرور الوقت، ازدادت العربة خلواً. امتلأت الميكروباصات سريعاً، وخطفت التروسيكلات الأطفال، بينما لم يركب معه إلا عدد قليل، بالكاد يكفي لبدء الجولة.
تحرك أخيراً.
لم ترتفع الأهازيج القديمة، ولم تتعالى الضحكات. كان الصمت يرافقه، لا يقطعه إلا ضجيج الهواتف.
ظل ينظر إلى الطريق، بينما كانت روحه تعود إلى الخلف.
بدا له أنّ كل شيء يبتعد عنه، حتى العيد نفسه.
وفجأة شعر بأنّ صرير العربة تغيّر. صار أطول وأكثر انكساراً، كأنه يخرج من أعماقه.
التفت إلى حماره، فوجده يسير بخطوات واهنة، متعبة، وكأنهما يمضيان معاً نحو نهاية يعرفانها ولا يريدان الاعتراف بها.
امتلأت عيناه بالدموع. لم يشعر بدمعة وهي تنساب على خده، لكنه أحس بحرارتها.
ومع استمرار العربة في سيرها البطيء بين أزقة الحارة، خُيّل إليه أنّ صريرها لم يعد صريراً، بل تغريدة حزينة، تشبه آخر ما يرسله طائر قبل أن يلوذ بالصمت.
تغريدة لا يسمعها أحد.
تغريدة “البكّاش” الأخيرة.
ومع كل خطوة، كان يبتعد أكثر عن ضجيج العالم الجديد، ويغرق في زاوية لا يلتفت إليها أحد…
زاوية اسمها النسيان.
*صدرت له عدة كتب ومجموعات قصصية، نُشرت له العديد من القصص والمقالات في الصحف والمجلات المصرية والعربية.



أضف تعليق