سوسن محفوظ*
تكرر هذا الحلم في مساءات كثيرة.. أدهشني ذلك الإحساس بالخفة التي تجعل جسدي يفقد وطأة الجاذبية الأرضية، فيحلق بعيداً في سماوات ملونة ما خُلقت لطيران البشر.
في كل مرة أمد ذراعيَّ أقصد جناحيَّ، كان العالم يتضاءل أمامي، ينساب حلماً جميلاً خلفي وأنا أعلو فوق دروبه التي ما عادت تناسبني. كنت أشعر بسعادة غامرة وأنا هناك أمتطي تلك الغيمة الوردية التي تحملني إلى السماء المعمدة بأعمدة بنفسجية.
ساعتها علمت أني مميزة، إذ لم يتمكن أحد غيري من الطيران دون أجنحة، لكني وحدي فعلتها.
ذهبت بي أمي إلى مفسرة الأحلام بعد أن تكرر معي الحلم، خشيت أن يكون بي لوثة عقلية وأنا أخبرها عن المدن التي زرتها بالأمس والبشر الذين قابلتهم، لكني لم أستطع الحديث إليهم. نصحتني في البداية بقراءة سورة الفاتحة والصمدية والمعوذتين قبل النوم، أخبرتني أن أدعو الله أن يغفر لي ويبارك عملي، ويمنحني الرشد والفلاح.
اندهشت من نظرة عينيها المرتسمة والتي تشي بالكثير من القلق، أخبرتها أني أكون سعيدة جداً وأنا أطير وأعلو فوق باقي البشر، ولا داعي للقلق، لكنها كأي أم ترى فتاتها تغرق في الأحلام المستحيلة، كان لابد لها أن تعود بها سريعاً إلى أرض القرية.
كان داء الكتابة قد بدأ يغزو عقلي كمرحلة أخيرة بعد هوس القراءة واكتئاب ما بعد العزلة، وإغلاق حجرة الصالون عليَّ بالساعات مع كتبي وأوراقي. كان الجميع يظن أني أهرب من الأعمال المنزلية المتراكمة على باقي إخوتي، وأني لابد من إشراكي بها حتى أعمّر في بيت الزوجية.
حين كنت أجلس وحدي في الشرفة المطلة على نهر النيل لأنظر إليه وإلى المراكب التي تتهادى على صفحته وهي تنقل الناس من مكان إلى آخر، أستمتع بهذا الجمال أمامي وتلك الجنة الصغيرة التي تطل عليها بلكونة حجرة الصالون، كان الجميع في الخارج يتساءلون: أين ذهبت سوسن؟
كانت أمي تسبقهم بالإجابة، وترد عليهم بكلمة واحدة فيصمت بعدها الجميع، كانت تقول لهم همساً: “في الخلوة”.
وهكذا منذ المراهقة وجدتني أعتزل الجميع وأسبح في عوالم من صنع خيالي، حتى نبتت لي ذات حلم تلك الأجنحة التي ساعدتني في الطيران.
بدأت أكتب على استحياء… ولم يكن هناك مانع مادمت أكتب عن نفسي ولنفسي، لم يهتم أحد بما أفعله، وماذا ستفعل فتاة مثلي ترى من الأحرف والكلمات فضاءً جديداً غير مرئي لا يتسع لأحد غيرها، تجيد الصمت وتتقن العزلة، وتكتب بعد أن ينهكها الضجيج بداخلها مطالباً إياها بمنح هذه الكلمات الحياة بعد مداهمة الطلق رحم الأحرف.
“هذه أول رواية لي”.. هكذا أخبرتهم، لكن لم يطلب مني أحد قراءتها.
“حسناً، هذه أول جائزة.. مبروك”.. هكذا جاءني الرد بارداً لا يطفئ شغفاً، اشتعل شيء ما بداخلي لم أستطع كبحه أو توقيفه.
– لقد نشرت أول قصة لي.
– عن ماذا تتحدث؟ احكها لي.
– لكني أفضل أن تقرأها.
– حسناً، سأنهي أعمالي وأقرأها.
هكذا سارت الأمور مع أمي وأبي حين كنت أنشر في الصحف المحلية، فأذهب إليهم بسعادة غامرة، لكن ردهم لم يكن مناسباً لحجم النجاح بداخلي.
كنت أمنحها لأختي الصغرى بالأمر المباشر لقراءتها ونقدها وتحليلها وتصحيحها، وللدهشة كانت تقوم بكل هذا بشكل جيد. كانت تمنحني شعوراً بالزهو حين تعجبها الكلمات، وأحياناً بالإحباط حين تنتقد العمل بشكل لا يعجبني.
مازلت أحلم أني أطير.. هكذا قلت لأمي ثانية، فانتهزت مرور قارئة الفنجان أمام بيتنا الكبير ذات أصيل وأوقفتها. قبل أن تسألها شيئاً منحتها أولاً حفنة من المال الذي لم أعرف عدده، ثم نادت عليَّ للمجيء بصوت مرتفع كي يصلني في الخلوة، وحين قدمت كانت تلك السيدة تجلس عند الباب تفرش منديلاً ملوناً، يقبع فوقه سلة صفراء بها العديد من الأصداف.
رفعت رأسها نحوي فاهتز الحلق الذي ترتديه في أذنها، وارتفعت جبهتها أمامي حتى صارت صحراء شاسعة تمرح فوقها الخيول، وتراصت الورود في المنديل البوقي الذي تغطي به نصف شعرها، تاركة خلفها خصلات طويلة تتهدل عند حدود كتفها.
أطالت إليَّ النظر حتى سرَت بي رعشة خفيفة توقفت عند سؤالها:
“أنتِ بتحلمي إنك بتطيري كتير؟”
هكذا ألقت ما في جعبتها أمامي دفعة واحدة، تبادلت النظر بينها وبين والدتي التي تجلس بجوارها عند عتبة الباب، وأنا أستنكر إفشاءها لسري أمام الغرباء!
لم تتلقَ مني رداً كأنها تعلمه، وانحنت عليها والدتي تسألها شيئاً لم أفهمه.
ثم طلبت مني السيدة أن أمد إليها يدي، كانت أطرافي باردة رغم حرارة الصيف، وبمجرد أن لامس كفي يدها ظهر فرق اللون بيننا، كانت يدها كأنها خرجت تواً من طين الأرض، بينما يدي كأنها سيقان القمح الشامخة.
غرقت عيناها في بحر يدي، سارت بها في متاهات سحيقة، ثم عادت فهزت رأسها كأنها تفيق من حلم لتخبرني أن خطوط يدي ليست عميقة، بل محفورة بدقة في تجاويف صغيرة، بما يعني أنّ الشقاء ليس ممتداً، لكنه موجود وحادث.
سألتها والدتي: “وهل لذلك علاقة بالطيران؟”
قالت:
“سبحان الله، وهل يشقى الناس في حياتهم إلا بسبب أحلامهم؟ إنّ لها أمنيات بعيدة، وأحلاماً كثيرة، وستجد نفسها في دروب طويلة لابد لها من السير فيها، لكنها ستنتصر، وحذارِ من الالتفات خلفها، فمن وضع في قلبه نور الحكمة لا يلتفت للصغائر، ساعتها ستتحرر من كل ما سيصيبها، وسيرتفع شأنها وتحلق عالياً”.
ثم قامت كأنّ أحداً همس إليها بالعودة سريعاً، ونفضت ملابسها أمامنا لتسقط ساعات وأيام لم يتلقاها أحد سواي، فقالت لي:
“من الجيد أن تهتمي بمرور الوقت يا ابنتي، فستكون لديك المزيد من المهام في المستقبل عليك إنجازها”.
نادت عليها أمي من جديد لمنحها باقي المبلغ لكنها لم تلتفت، وحين وصلت آخر الدرج عادت برأسها للخلف وهي تبتسم وتنظر إليَّ قائلة:
“أحب أن أراكِ ثانية”.
مرّت سنوات حتى قابلتها مرة أخرى على طاولة قصة قصيرة، كانت البطلة فتاة صغيرة فرّت من معاملة أهلها السيئة، واحترت كيف يمكن لتلك الصغيرة أن تجاهد وحدها في الحياة، حين ظهرت قارئة الفنجان أمامي تسألني عن حالي، فأخبرتها بأمر الفتاة فتمثّلت أمامها ومنحتها الثقة وأرشدتها إلى الطريق.
بعدها ظهرت أمام البطل الذي قتل زوجته الخائنة، أخبرته بوعورة الطريق الذي يسير فيه ومنحته قلادة نحاسية ليرتديها، ثم التفت إليَّ تسألني عما إذا كنتُ لا أزال أطير؟
أجبتها بالنفي، فأخرجت من منديل شعرها البوقي ورقة صفراء أمرتني بإذابتها في ماء نقي مثل ماء المطر، أو ماء زمزم، ثم شربها مساءً قبل النوم، حتى تنبت لي أجنحة من جديد.
ثم طارت بعيداً، واختفت في غضون ثوانٍ، في حين فتحت الورقة الصفراء لأقرأ ما فيها: كانت تخبرني أنّ الإنسان كومة أحلام، وبدونها يصبح ذكرى إنسان، ثم تطلب مني ألا أكف عن الأحلام والطيران.
ثم هطل المطر فجأة، فهرعت إلى المطبخ كي آتي بإناء عميق يتسع للمزيد من الأحلام، ووضعت فيه الورقة الصفراء، وبينما كنت أغني لحناً فيروزياً أنشدته للمطر، كانت نتوءات صغيرة قد بدأت تنبت في ظهري ثانية، وبراعم أجنحة أخذت تتشكّل من جديد.
*كاتبة وروائية وعضو اتحاد كُتاب مصر



اترك رد