كَمَا يُغَنِّي شَهِيدٌ مِنْ غَزَّة

كَمَا يُغَنِّي شَهِيدٌ مِنْ غَزَّة

أحمد السيد فخرالدين حسنين – مصر

بِغَزَّةَ قَلْبِي أَقَامَ الصَّلَاةْ
وَصَلَّتْ وَرَائِيَ كُلُّ الجِهَاتْ

دِمَائِي تُنَادِي بِمِعْرَاجِ رُوحِي
بِشَوْقِ الشَّهِيدِ عَلَى الصَّافِنَاتْ

رِبَاطاً.. رِبَاطاً.. جِهَادُكِ بَحْرٌ
وَمَوْجُ الشَّهَادَةِ طَوْقُ النَّجَاةْ

سَأُصْلِتُ عَزْماً لِجَوْسِ الدِّيَارِ
بُرُوقُ المَنَايَا بِهِ مُصْلَتَاتْ

سَيَبْقَي صُمُودِي بِأَرْضِ المَعَادِ
جَحِيماً يُجَازِي ذُنُوبَ العُصَاةْ

وَصَخْراً جَثُوماً عَلَى صَدْرِ خَصْمِي
وَنَصْلاً سَيُدْمِي قُلُوبَ الجُفَاةْ

شَرِبْتُ الحَيَاةَ بِكَأْسِ الخُلُودِ
وَيَظْمَأُ بَعْدِيَ كُلُّ السُّقَاةْ

وَبَاقٍ أَنَا كَابْتِسَامِ الصَّبَاحِ
لِنَجْمٍ تَجَلَّى بِلَيْلِ السُّرَاةْ

وَأُبْعَثُ عَنْقَاءَ بَيْنَ الرَّمَادِ
تُمَدِّدُ أَرْيَاشَهَا الخَالِدَاتْ

دِمَائِي وَقُودِي.. وَنَبْعِي وَرِيدِي
وَعُمْرِي حَصِيدِي بِسَاحِ الفُدَاةِ

وَمَا ضَرَّ رُوحِي تَهَتُّكُ جِسْمِي
وَإِسْمِي يُقَلَّدُ أَحْلَى الصِّفَاتْ

سَلَاماً لِرُوحٍ بِعَرْشِ الإِلَٰهِ
تَدَلَّتْ قَنَادِيلُهَا المُوقَدَاتْ

أَنَا حِضْنُ طِفْلِي.. أَنَا خِدْرُ بِنْتِي
أَنَا صَبْرُ شَيْخِي عَظِيمِ الأَنَاةْ

وَلِي حَائِطٌ حِينَ أَبْكِي سَيَبْكِي
وَلِي طَلَلُ الرِّحْلَةِ المُصْطَفَاةْ

وَلِي بَابُ نُورٍ عَلَى المَلَكُوتِ
وَإِرْثٌ تَلِيدٌ وَثِيقُ الصِّلَاتْ

وَشُبَّاكُ صُبْحٍ بِجُدْرَانِ لَيْلٍ
أَطَلَّ بِنَجْمَاتِهِ الشَّاحِبَاتْ

وَأَشْجَارُ لَوْزٍ تَزِيدُ البَيَاضَ
بِمِحرَابِ “مَرْيَمَ” والطُّرُقَاتْ

وَصَفْصَافُ يَبْكِي بِعَيْنَي “أَيَارٍ”
وَأَشْجَارُ حُورٍ عَلَى الرُّبُوَاتْ

أَنِينُ المَرَاعِي جَنُوبَ “الخَلِيلِ”
لِقَتْلِ شِيَاهِي وَوَأْدِ النَّبَاتْ

حَلِيبُ النُّجُومِ بِكُوبِ الصَّبِيِّ
وَجُوعُ الطَّحِينِ بِخُبْزِ الفَتَاةْ

شُمُوخُ المَآذِنِ.. رَفْعُ الأَذَانِ
بِقَلْبٍ تَهَيَّا لِقُدْسِ الصَّلَاةْ

تَرَانِيمُ رَاعٍ بِدَيْرِ المَلَاكِ
تُصَلِّي بِقُدَّاسِهِ الرَّاهِبَاتْ

وَجِلْبَابُ مَرْيَمَ فَوْقَ الخَلِيلِ
يُضِيءُ النُّجُومَ بِلَيْلِ العُمَاةْ

وَلِي بُرْتُقَالٌ بِيَافَا شَهِيٌّ
وَبَيْتٌ مُطِلٌّ عَلَى الذِّكْرَيَاتْ

هَدِيلُ الحَمَامِ بِبَاحَاتِ قُدْسِي
وَأَشْجَانُ رُوحِي مَعَ الهَاتِفَاتْ

وَفَانُوسُ كَشْفٍ بِلَيْلِ المَنَافِي
يُنَاجِي نُجُوماً بِهِ مُشْتَهَاةْ

وَدِيوَانُ شِعْرٍ لِتَارِيخِ قَلْبِي
تُحَاجِي رُؤَاهُ سُكُوتَ الرُّوَاةْ

وَصَحْوُ المَعَانِي عَلَى مُقْلَتَيْهِ
وَدِفْءُ أَمَاسِيِّهِ المُقْمِرَاتْ

عَزِيفُ القَنَابِلِ فِي حَفْلِ مَوْتِي
وَإِيقَاعُ نَزْفِي مَعَ الأُغْنِيَاتْ

خُيُولُ إِبَائِي إِلَى كَرْبَلَاءَ
تُنَادِي “الحُسَيْنَ” بِكُلِّ الأُبَاةْ

وَتُبْحِرُ لَائِي بِبَحْرِ الدِّمَاءِ
فَتُغْرَى النَّوَارِسُ بِالشَّقْشَقَاتْ

وَأَقْتَادُ خَطْوِي لِدَرْبٍ حَنُونٍ
عَلَى جَانِبَيْهِ رِضَا الأُمَّهَاتْ

وَنَفْسِي تَتُوقُ لِقَهْوَةِ أُمِّي
وَخُبْزِ الرُّقَاقِ وَغَزْلِ البَنَاتْ

وَفِي القَلْبِ غَارٌ وَوَحْيٌ يُنَادِي
أَنِ اقْرَأْ كِتَابَكَ فِي الكَائِنَاتْ

حَمَامِي يُعَانِقُ غُصْنَ السَّلَامِ
وَيَرْثِي حِمَامِي بِأَيْدِي العُتَاةْ

بَكَيْتُ وَلَكِنَّ دَمْعِي عَزِيزٌ
فَمَا سَالَ يَوْماً عَلَى الظَّاعِنَاتْ

وَمَا فَاضَ يَوْماً لِقُرْحَةِ رُوحِي
وَلَا انْهَالَ خَوْفاً مِنَ الحَادِثَاتْ

بَكَيْتُ تَرَنُّحَ أَبْنَاءَ أُمِّي
بِحَانِ التَّمَزُّقِ وَالإِنْفِلَاتْ

وَمَسْرَى نَبِيٍّ لِأَقْصَى أَبِيٍّ
وَحُرٍّ أَسِيرٍ بِسِجْنِ الطُّغَاةْ

لِشَمْسِ الكَرَامَةِ فِي حُرِّ وَجْهِي
نَهَارٌ سَيَمْحَقُ لَيْلَ المَوَاتْ

وَقِنْدِيلُ بِشْرٍ بِلَيْلٍ عَبُوسٍ
سَيَمْحُو سَنَاهُ أَسَى الأُمْسِيَاتْ

زَمَانُ الوِصَالِ رَمَانِي بِهَجْرٍ
وَمَا زِلْتُ أَرْنُو إِلَى الأُمْنِيَاتْ

سَيَأْتِي الرَّبِيعُ وَسِيماً أَنِيقاً
وَهُدْبُ السُّنُونُو لَهُ رَانِيَاتْ

وَتَزْهُو رُؤَاهُ بِسَهْلِ “البَطُوفِ”
وَدُورُ “الجَلِيلِ” بِهِ حَالِمَاتْ

عَلَى دَرْبِ قَلْبِي سَأَلْقَى هَوَاهُ
وَحُورُ المُنَى فِي المَدَى وَاقِفَاتْ

سَتَبْقَيْنَ غَزَّةُ جِيلاً فَجِيلاَ
مِثَالَ البُطُولَةِ والتَّضْحِيَاتْ

عَلَى وَجَعَيْكِ اتَّكَأْتُ بِدَمْعِي
وَخُبْزِي وَمِلْحِي وبَعْضِ الفُتَاتْ

تَعَالَيْ إِلَى شَارِدٍ فِي المَرايَا
يُعَايِنُ فِيهَا وُجُوهَ الشَّتَاتْ

يَشُدُّ إِلَيْهَا أَسىً مَقْدِسِياً
وَيَسْفِكُ عَيْنَيْهِ كَالمُعصِرَاتْ

تَعَالَيْ لِنَحْدُو خُطَى الأَنْبِيَاءِ
بِأَرْضِ النُّبُوَّةِ وَالمُعْجِزَاتْ

لِأَقْصَى البُطُولَةِ.. أَقْصَى الإِبَاءِ
لِأَقْصَى الكَرَامَةِ.. أَقْصَى الثَّبَاتْ

تَعَالَيْ.. فَدَمْعِي كَنَهْرٍ نَبِيٍّ
سَيَغْسِلُ أَجْرَاحَكِ المُثْخَنَاتْ

وَقَلْبِي يُغَنِّيكِ قَبْلَ المُغَنِّي
وَحَرْفِي تَهَجَّاكِ قَبْلَ اللُّغَاتْ

حَدَائِقُ شِعْرِكِ بَيْنَ ضُلُوعِي
قُطُوفُ المَعَانِي بِهَا دَانِيَاتْ

هَلُمِّي أَضُوعُكِ فِي كُلِّ رُوحٍ
وَأَنْثُرُ عِطْرَكِ فِي كُلِّ ذَاتْ

سَيَرْوِي ثَرَاكِ نَدىً مِنْ دِمَائِي
وَرُوحِي سَتَفْدِيكِ حَتّى المَمَاتْ

هَلُمِّي إِليّ فَإِنِّي قَتِيلٌ
وَأَشْهَدُ فِيكِ خُلُودَ الحَيَاةْ


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


Comments

اترك رد

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة