عزام دبوان
علّ أكثر ما يؤذيني في هذه الحياة هو الضجيج، هذا الكائن عديم التربية، إنه لا يكتفي باحتلال الأذن وحدها، بل يمتد إلى الداخل، إلى أعماق روحك، لا لشيء سوى لإفساد ما تبقى منها، فيغدو قادراً على تعكير صفو أكثر البشر لا مبالاة، أولئك الذين لا يصدرون أي فعل في مواجهة الأشياء، وهذا يؤكد الحقيقة التي تقول، أنّ الضجيج يسلب من الإنسان صلته بذاته، لأنه كلما اشتد صخب الخارج، ازداد حنين الانسان إلى مكان يسمع فيه صوت نفسه..
تقول أمي سيدة العالم حفظها الله، كلما لاحَ لها ضجري من صخب المكان، لا تبتئس يا بُني، ستعتاد على كل هذا، قليل فقط ولن تغدو شاعراً بشيء، تماماً مثل كل يمني ألِفَ العيش هنا… آهٍ آه يا أمّاه، تعلمين أني أحب كل شيء منكِ وفيكِ، ولكن من قال لكِ أنّ الإنسان السوي يعتاد الضوضاء؟ نعم قد تتأقلم الأذن معها، لكنها تظل تستنزف الروح بصمت، فالضجيج يا أماه، ليس مجرد أصوات مرتفعة، بل هي اعتداء متكرر على لحظات الصفاء، سرقة خفيّة للسكينة التي يحتاجها العقل والقلب ليستريحان.
الهدوء ليس رفاهية، بل هو ضرورة، والشرط الأول لسلامة كل عقل ألِفَ التفكير، إنه المساحة التي نعيد فيها ترتيب أفكارنا، الغبية منها والذكية. فحين تتنفس الروح بعيداً عن صخب العالم، يولد إنسان جديد بمقدوره إصلاح شيئاً من العالم.. فما من شيء يعيد ذلك الإنسان إلى ذاته كما يفعل الهدوء..
ما أود قوله يا رفاق الدرب الأوفياء، هو أني أعيش في شقة جميع نوافذها الكبيرة، تطل على شارعٍ فرعي، لكنه في حقيقته، أكثر من كونه شارعاً فرعياً؛ إنه أشد ضجيجاً من شارع عام. لا يهدأ إلا قليلاً، وكأنّ الصخب جزء من هندسته. تمر السيارات منه تباعاً، تتعالى الأصوات، ويختلط هدير المحركات بأحاديث العابرين العالية، حتى يغدو الليل امتداداً للنهار، بلا سكونٍ يليق به…
اقرأ أيضاً
البحر وتأملاته الوردية.. استمتاع أم هروب؟
مرثية حياة
سارة
واقع افتراضي
الآن في هذه اللحظة تمر دراجة نارية، يعود تصنيعها إلى قبل الألفية الأولى، على متنها راكبان، أحدهم يقول أنّ القضية تحوّلت للمحكمة، لم أفتح النافذة لأتأكد من هوية الرجل، فبعض الأصوات لا تحتاج إلى ملامح، يبدو أنه صبري “أصل والدهِ من (يافع) أمّه من سورة المسدِ”.
في منتصف الليل الماضي، وقفَت دراجة نارية أخرى، تغني، “تلقى حياتي كلها لذة غرام” خالد عبدالرحمن… غادرت الدراجة المكان بعد أن دخل الفنان الشهير “علي عنبة” في الخط بأغنيته الشهيرة أيضاً “من دمع عيني يكون باب السماء مفتوح” ظلّت الأغنية تمضي في طريقها حتى اليوم التالي، فلقد عاد سائق الدراجة النارية اليوم وهو يحمل سلتان، عن يمين وشمال “كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ”.
مع شمس كل ظهيرة، يعبر صهريج ألماني الصنع، تم تصنيعه لأجل نقل الوقود والمرور به على أطراف المدن، لكن في بلدي، تم توظيفه لنسف ما تبقى من هدوء البشر في الأحياء البعيدة، وإنه لو علم -ذلك الصهريج الضخم- أنّ ما يحتويه هو ماء غير صالح للشرب، لطلب العودة إلى خط الإنتاج..
وبالعودة إلى ما بدأت به، أرى أنّ جمال البيوت لا يقاس باتساع غرفها أو بإطلالاتها، بل بقدرتها على أن تمنح ساكنيها شيئاً من السُكون، وإنّ شوبنهاور كان محقاً حين قال: “لا يستطيع الإنسان أن يكون على وفاق مع الآخرين ما لم يكن أولاً على وفاق مع نفسه” فكيف للمرء أن يبلغ ذلك الوفاق طالما والضجيج شريكه في كل شيء..
مساؤكم أقل ضجيجاً، وأكثر معنى.



اترك تعليقاً