عزام دبوان

لا يوجد في الحياة ما هو أعظم من العائلة؛ فهي كلُّ شيء، إنها امتداد الذات في أكثر صورها صدقاً. الأم، والأب، والأخت، والأخ، وأبناؤهم… ليسوا مجرد روابط دم، بل المعنى الذي يمنح الأيام دفئها، والروح اتزانها. ومن خلا بيته من العائلة، خلت روحه من شيءٍ لا يعوّض، فلا قيمة حقيقية لحياةٍ لا تكون العائلة محورها الأول…

عشتُ زمناً طويلاً بعيداً عن عائلتي. ولم يكن ذلك خياراً اتخذته بكامل إرادتي، بل كان الطريق الوحيد الذي فرضته الظروف، وطال ذلك الطريق جداً، وإنه حين يطول، يكتشف الإنسان أنّ ما يخسره ليست الأيام فحسب، بل التفاصيل الصغيرة التي كانت تمنحه شعور الانتماء، صوت الأم، حضور الأب، ضحكات الإخوة، وضجيج الأحفاد الصغار، واجتماع لا يحتاج إلى مناسبة.

وفي غمرة هذا الغياب، بدا لي العالم أكثر صخباً وأقل حياة. كل شيء صار سريعاً ومقنناً، حتى المشاعر لم تعد تُعاش كما كانت، بل تُستهلك وتُقاس وتُختزل في إشعارات هاتفية وشاشات كبيرة، وكأنّ الإنسان الحديث، كما يلمّح “سعيد ناشيد” في تأملاته، أصبح يعيش داخل منظومة تعيد تشكيل عواطفه وفق إيقاع العصر، حتى غدا الصدق العفوي استثناءً.

صار الأفق محجوباً بضجيج الشاشات والإعلانات، ولم يعد أحد يطيل النظر إلى الغروب، أو يسامر ضوء القمر كما كان يفعل أسلافنا أو كما كنا نفعل ونحن صغاراً. حتى الكلمة التي كانت تخرج من ارتجافة القلب، باتت تصاغ في كثير من الأحيان بمنطق الخوارزميات؛ متقنة، لكنها بلا ندبة، جميلة، لكنها بلا ضعف، كاملة، لكنها تفتقد ذلك النقص الإنساني الذي يمنحها روحها.

ولعل أكثر ما أدركته بعد سنوات الغياب، أنّ العائلة ليست مكاناً نعود إليه فحسب، بل هي الجزء الذي نحمله معنا أينما ذهبنا. وكلما ابتعدنا عنها، أدركنا أنّ الإنسان قد ينجح في كل شيء، لكنه يظل فقيراً إذا عاد آخر النهار ولم يجد دفء العائلة ينتظره..

سنوات كثيرة أعود آخر النهار إلى المنزل، فلا يستقبلني فيها سوى نافذةٍ مطلةٍ على شارع عام، هكذا ظللتُ وحيداً، مثل كثير من الشباب، لا أهل ولا أصحاب، لا أم ولا أخت ولا رفيق درب.. 

وفي خِضم كل تلك العذابات، كانت تنهض من أعماقي أسئلة كثيرة، تجرٌّ وراءها ثقل الزمن كله، لماذا كُتب عليك، يا ولدي، أن تكون وحيداً إلى هذا الحد؟ تمضي في الحياة منفرداً فارغاً، كشارع يجاور خط النار.. لماذا ماؤك شحيح، وأغصانك يابسة، لا صوت أمٍ يرويك، ولا حنان أب يعيد الثقة إلى عروقك؟! وكيف لقلب فتًى ألِفَ وجود العائلة، أن يعتاد على هذا الفراغ الكبير..؟ كيف؟


اقرأ أيضاً
حنين للديار
البحر وتأملاته الوردية.. استمتاع أم هروب؟ 
سنارتي 
على مقام مدينة بلفاست وناي آل ماكدرموت 
الحنين في الأدب: كيف يستخدم الأدباء الحنين كأداة سردية؟ 


حين أخذت منا الحرب كل شيء

لم ينجُ منها أحد، خسر الجميع شيئاً، هذا فقد بيتاً، وذاك وجهاً وراتباً زهيداً، وآخر حلماً بسيطاً كان يظنه عصياً على الموت، فقدنا حتى الطمأنينة، تلك التي كانت تبدو وكأنها لا تزول، وحتى ذلك الذي يزعم أنه لم يخسر شيئاً، فقد خسر ما هو أخطر من كل ذلك، لقد خسر قدرته على الإحساس، وهذا هو الخسران الحقيقي…

آتوني بناجٍ واحد لم تَمسّه الحرب، ولو من بعيد، ولو من طرف ثوبه، وحينها خذوا مني ما تشاؤون، حتى وإن كان أعز ما أملك… 

دُلوني، أين وجوه رفاقي؟ وأين أصواتهم؟ شهداء، معتقلين، وآخرون تاهوا في المنافي تاركين تحت الأنقاض ما تبقى منهم، من أطرافهم.. 

أين أولئك الرفاق الذي كان حضورهم يملأ المدينة، وأين ضحكاتهم، التي كانت تمنح الشوارع شيئاً من الأمان.. 

كنتُ أحفظهم جميعاً، وكانوا يحفظونني جيداً، وكانت المدينة تعرفهم كما تعرف الأم وليدها، واليوم، كلما مررت بالأماكن تلك، أدركت أنّ الحرب لم تأخذ الصِحاب فحسب، بل أخذت حتى الأمكنة التي كانت تسكنهم أيضاً.. 

الرحمة لكل روح، والمجد لكل دم سال على طريق الكرامة..


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


Comments

اترك رد

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة