منى حسن عبدالرسول

لم أنم ليلتها. كانت أحشائي تتمزق، حتى رأيتُ آثار إجهاض حملي، ففزعتُ، ثم فرحتُ. فقد جاء الحمل بعد ولادتي لابني البِكر بثلاثة أشهر فقط. لم أدرِ كيف سيستقبلني صاحبُ العمل الذي أعمل بشركته، وكيف سأُوازن بين متطلبات الوظيفة ورضيعي الذي لا يزال يتشبث بي كأنني عالمه الوحيد.

تسلل التفكير إلى تلافيف عقلي كريحٍ عاتية؛ حتماً سأفقد عملي، وحتماً سأقصر في حق صغيري.

نهضتُ من فراشي لأوقظ زوجي لنذهب إلى طبيبٍ يَحسم أمر انتهاء الحمل.

وبالفعل، ذهبنا معاً. أصرَّ الطبيب على إجراء فحصٍ بالموجات فوق الصوتية، ليتبيّن حقيقة الأمر. وحين ظهرت على الشاشة، رأيتُها.

نقطةً متناهية الصغر، تتحرك يميناً ويساراً دون توقف، كبندول ثواني ساعة يدٍ صغيرة. لا أدري من أين جاءت تلك الابتسامة التي علت وجهي فأضاءته. كيف أحببتُها بهذه السرعة؟ كيف نبض قلبي لها، وكيف غمرني الفرح حين أخبرني الطبيب أنها لا تزال باقية، لا تزال تحتمي بجدار أحشائي.

نظر قلبي إليها، فمال كلَّ الميل إلى محبوبته.

خرجتُ من العيادة وأنا أحمل في صدري عالماً جديداً. لم يكن في الحسبان، لكنه اختارني دون استئذان. كان الطريق أمامي مزدحماً بالأسئلة: كيف سأحمل طفلين؟ كيف سأتقاسم نفسي بين العمل والسهر والرضاعة؟ وهل يتسع قلبي لكل هذا الحب؟

لكن كلما وضعتُ يدي على بطني، شعرتُ بأنها تجيبني بصمتٍ مطمئن:
“أنا هنا.. فلا تخافي”.

صِرتُ أحدّثها كل ليلة، أخبرها عن أخيها الذي ينتظرها، وعن خوفي الذي يتضاءل كلما تذكرتُ نبضها الصغير. صارت تلك النقطة موعدي مع الشجاعة، ودروسي الأولى في الأمومة؛ أمومة لا تختار توقيتها، لكنها تختار أن تُحب.

وحين جاءت إلى الدنيا، أدركتُ أنّ الحب لا يحتاج إلى ظروفٍ مثالية كي يولد، بل يحتاج إلى قلبٍ مستعد أن يتسع. حملتها بين ذراعيَّ وأنا أرتجف من رهبة المعجزة؛ معجزة أن تنجو روحٌ صغيرة من احتمالات الغياب، لتكتب حضورها في قلب أم.

عندها فقط فهمتُ لماذا بقيت.
لم تبقَ لتكون ابنتي فحسب،
بل لأصبح أنا أماً أكثر اتساعاً للحياة، كي ألد أختاً ورفيقةً لحياتي القادمة.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


Comments

اترك رد

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة