حامد موسى

لم يكن يملك من المال ما يكفيه لشراء الأشياء التي يحلم بها الناس عادةً. لم تكن لديه سيارة ينتظر امتلاكها، ولا ساعة فاخرة يتباهى بها، ولا رحلة بعيدة يدخر لها. كان كل ما يملكه غرفةً صغيرةً تزدحم بالكتب، ومكتباً خشبياً قديماً، وقلماً يضع عليه آمالاً أكبر من قدرته على الاحتمال.

كان يكتب القصص القصيرة منذ سنوات، ينشر بعضها هنا وهناك، ويحتفظ بالكثير منها في درج مكتبه، كأنها رسائل لم تجد طريقها إلى أصحابها.

وكان يعرف أنّ الموهبة وحدها لا تكفي، وأنّ الكاتب يحتاج إلى أن يتعلّم كيف يرى الإنسان قبل أن يحاول الكتابة عنه. ولهذا ظل يحلم منذ فترة طويلة باقتناء المجموعة القصصية الكاملة لأنطون تشيخوف: عشرة مجلدات ضخمة، تجمع قصص الرجل الذي استطاع أن يجعل من لحظة عابرة في حياة إنسان عادي عالماً كاملاً من المشاعر والأسئلة.

كان سعر المجموعة مرتفعاً بالنسبة إلى دخله المتواضع. ظل يحسب الأمر مرات كثيرة، ثم قرر أخيراً أن يدبر المبلغ، مؤجِلاً بعض احتياجاته، ومتخلياً عن أشياء كان يمكن أن يشتريها لنفسه. لم يشعر بالندم لحظة واحدة؛ فقد كان يعرف أنه لا ينفق المال على كتب، بل على جزء من الطريق الذي اختاره لنفسه.

في معرض الكتاب، وقف أمام المجموعة طويلاً. مرر يده على أغلفة المجلدات العشرة، كأنه يصافح أصحابها. ثم حملها إلى البائع، ودفع الثمن بقلب مرتجف وسعادة طفل حصل على لعبته التي انتظرها طويلاً.

وضع الكتب في حقيبة كبيرة، وحين حملها شعر بثقلها. لكنه لم يكن ثقل الورق والحبر، بل ثقل تاريخ كامل للقصة القصيرة العالمية. كان يشعر كأنه يحمل في يده أصوات مئات الشخصيات التي خلقها تشيخوف: الحالمين، والمنكسرين، والطيبين الذين لم ينتبه إليهم أحد، والبسطاء الذين خبأوا داخل حياتهم مآسي كاملة.

خرج من المعرض واستقل سيارة متجهة إلى بيته. كان طوال الطريق ينظر إلى الحقيبة بجواره مبتسماً، كأنّ فيها شيئاً حياً يرافقه.

عندما نزل عند أول الشارع المؤدي إلى منزله، حمل الحقيبة وسار ببطء. كان يتأمل وجوه المارة من حوله: الرجل العجوز الجالس أمام متجر صغير، المرأة التي تحمل أكياس الخضار وتبدو على وجهها علامات التعب، الطفل الذي يركض خلف كرة قديمة، البائع الذي ينادي على زبائنه بصوت مبحوح.

توقف لحظة، ثم ابتسم وقال في نفسه: “لا شك أن بعض هذه النماذج الإنسانية موجودة داخل الحقيبة.”

أدرك فجأة أنّ تشيخوف لم يكن يكتب عن أشخاص بعيدين، بل كان يكتب عن هؤلاء الذين يمشون أمامه الآن. كان قد اشترى عشرة مجلدات، لكنه اكتشف أنّ الحياة نفسها كتاب مفتوح لا ينتهي.

صعد إلى شقته، ووضع الحقيبة فوق مكتبه. أخرج المجلد الأول ببطء، ثم الثاني، ثم الثالث… حتى اكتملت المجموعة أمامه. ظل ينظر إليها طويلاً بشعور يشبه الامتنان. لم يكن سعيداً لأنه امتلك كتباً نادرة فقط، بل لأنه شعر أنه اقترب خطوةً من فهم ما يحاول أن يكتبه.

بدأ يضع المجلدات على رفوف مكتبته، بجوار الكتب التي رافقته في سنواته الماضية. وحين انتهى، جلس أمامها صامتاً. كان يظن أنه أدخل تشيخوف إلى بيته، لكنه شعر بعد لحظات أن الأمر أكبر من ذلك؛ فقد أدخل إلى بيته عيوناً جديدة يرى بها العالم.

رفع بصره نحو النافذة. كان الشارع كما هو: الناس يعبرون، الأصوات تتداخل، والحياة تمضي بلا اكتراث.

ابتسم وهو ينظر إلى الرف الممتلئ بالمجلدات العشرة، ثم عاد ببصره إلى النافذة.

هناك، في الشارع، كان تشيخوف يواصل كتابة المجلد الحادي عشر.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


Comments

اترك رد

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة