عبدالباسط بن عبدالسلام – الهند*
انحدرت الشمس إلى مستقرها، وطار طائر الليل إلى مكمنه، واستحال ضوء النهار إلى ظلام حالك. كان قاسم يجلس في شرفة بيته يشرب الشاي، فخطر بباله أن يخرج إلى الغابة لأنه يحب الطبيعة والظلام. فخرج من بيته.
ولما وصل إلى الغابة سمع صوتاً مخيفاً، فتسرب شعور الخوف إلى قلبه. فرأى فتاة خلف شجرة كثيفة الأوراق، كانت ترتدي فستاناً أبيض من القطن، بسيطاً وناعماً، يُظهر جمالها الطبيعي، وشعرها الأسود المتموج يتطاير حول وجهها. فاشتاقت نفسه شوقاً ملحاً إلى الزواج بها، لأنها سرقت عينيه ونقشت صورتها في قلبه. لكن لسوء حظه اختبأت بين الأشجار، فأخذ يفتش حوله ولكن لم يستطع الوصول إليها. فدبّ إلى قلبه شعور الندامة والخيبة، وكثرة الأفكار المزعجة دفعته إلى النوم.
في اليوم التالي، انبلج الصبح وعمّ الضياء، حيث تتراقص أوراق الشجر كأنها ترقص على أنغام قصص قديمة. سرعان ما هبت ريح شديدة من ناحية الغرب أيقظته من النوم، وأخذ يلتفت حوله فرأى دخاناً كثيفاً يتصاعد من جانب، وطفق يجتمع وينتفض في مكان واحد حتى تحول الدخان فجأة إلى عفريت عملاق، رأسه في السحاب ورجلاه في التراب. وصرخ بصوت عال:
– آكلك يا جاهل! ألا تعرف أنّ الغابات للحيوانات؟
قد ملأ قلبه خوفاً وقلقاً، وصمت برهة، وأجاب بصوت مفعم بالخوف:
– أنا جاهل أعمى.
فأعرض عنه العفريت. ورجع قاسم إلى بيته، ولكن ذكرياتها تراوده في كل حين. فطفق يخرج إلى الغابة ليفتشها، ورآها، وانطلقت نظراتهما نحو بعضهما، وكأنّ الزمن توقف. ومع مرور الأيام، بدأت لقاءاتهما تتكرر، وتطوّرت علاقتهما من نظرات خجولة إلى حديث طويل عن الحياة والأحلام، حتى تزوجها.
دارت الأيام، وذات يوم خرج قاسم إلى السوق لشراء خاتم لها، وكانت الطرق تختنق من الزحام، وكانت الأجواء مشحونة من ضوضاء الناس والمراكب. بينما هو في طريقه، إذ اصطدمت به سيارة عاجلة، ومات بجرح أصابه في رأسه. ولم تزل المرأة تنتظره إلى الآن، دون علم بالخطر الذي حلّ له.
*باحث في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة دار الهدى الإسلامية، قارئ وناقد لتاريخ الأدب العربي. حاز المركز الأول في مسابقة قرض الأشعار الوطنية.



اترك رد