ميس محمد حمود
لم تكن قلة الجوعِ، أو حتى الموتِ، ما يثيرُ ريبتي في هذه المدينةِ الصاخبة، بل تلك “الأكتاف المائلة” التي تملأ عابري الأرصفة المتعبين. كنتُ مهندساً مهووساً بالاستقامة، لكنني لاحظتُ ما لم يلحظه أحد؛ ذلك الانحناء العجيب في أجساد العابرين، كأنهم في بروفة مستمرة لعناق الأرض! أحدهم يشدّه ثقل الهموم نحو الأسفل، والآخر فارغٌ تماماً، يملك كل شيء من الخارج لكن جوهر كتفه خاوٍ لا يحمل معنى.
بعد تفكيرٍ مضنٍ، أدركتُ أنّ الاستقامة لا تُصنع بالأعمدة الإسمنتية، وأن عليّ أولاً فهم قانون فلسفي غاب عن دراستي الجامعية: “الكتف لا يستقيم أبداً.. إلا إذا سند كتفاً آخر”.
نزلتُ إلى الشارعِ في اليومِ التالي مدفوعاً برغبةٍ عارمةٍ لتطبيقِ قانوني الجديد. كان اللقاءُ الأولُ مع طفلٍ صغيرٍ، تكادُ أكياسُ البِقالةِ الثقيلةُ تقتلعُ ذراعه، فتقدمتُ نحوه وحملتُ نِصفها عنه، ليتسع ثغرُه عن ابتسامةٍ أضاءت عتمة الرصيف.
ومن هناك، انطلقتُ إلى موقعِ الإنشاءات؛ حيث لمحتُ عاملاً طاعناً في السن، يغالِبُ أكياسَ الإسمنتِ بظهرٍ مقوس. تقدمتُ إليه صامتاً، وهززتُ كتفي تحت الكيسِ الثقيل ليصبح الحملُ بيننا مناصفة. في تلك اللحظة، نظرتُ إلى يديهِ المشققتين اللتين غطّاهما غبارُ الإسمنتِ الأبيض كأنه شيبٌ آخر يكسو أطرافه، وتبادلنا نظرةً صامتةً ملؤها الامتنانُ والدهشة. التفتُّ حينها إلى أساسات البناء وأدركتُ أنّ الخرسانات تتآكل، لكن العطاء هو “الوقفُ” الحقيقي الخالد الذي يرمم شروخ النفوس ويبقى أثره ممتداً في خط الزمن.
صِرتُ منذ ذلك اليوم أوزعُ الابتساماتِ، وأمدُّ يدَ العونِ لكلِّ مائل. عند عودتي في المساء، وجَدتُ جاري يجلسُ على عتبةِ منزله، كغيمٍ مثقلٍ بالمطر. اقتربتُ منه، وربتُّ على عاتقِهِ برفق. نظر إليّ بعينين متعبتين تفيضان بالانكسار وقال بنبرة مخنوقة:
– الحياةُ باتت ثقيلةً جداً.. أشعرُ كأنني أحملُ بيتي وأحزاني كلَّها فوق ظهري.
أمسكتُ بيده وقلتُ له بيقين:
– البيوتُ تُبنى لتستند وتأوينا لا لتُحمل يا صديقي.. إن تعب جدارُك اليوم، فاتكئ على كتفي حتى تقوى.
عانقتُهُ عناقاً طويلاً حقيقياً تلاشت فيه المسافات، واقتسمنا الحمل صمتاً.
دخلتُ شقتي، وجلستُ أحضرُ طعامي بنفْسٍ راضية، وشعورٍ غريبٍ بأنّ أعباءَ عملي الهندسيّ الشاق قد تبخرت، وحلّت محلّها خفةٌ وجودية لم أعهدها من قبل. وقبل أن آوي إلى فراشي، وقفتُ أمام المرآةِ طويلاً، فتأملتُ جسدي.. وفهمتُ الحقيقة العارية أخيراً. رأيتُ كتفيَّ اللذين كانا مائلين بعبثيةِ الأيامِ قد استقاما تماماً كخطٍ هندسي مستحيل!
حينها أدركتُ أنّ الخيرَ ليس منّةً نمنحُها للآخرين؛ نحن لا نحملُ الضعفاءَ شفقةً، بل نضعُ أكتافَنا تحتَ أكتافِهم.. لتستقيمَ أكتافُنا نحنُ.

هل لديك نصّ إبداعي
وتريد نشره في منصتنا؟
نرحّب بمشاركاتكم من القصص القصيرة، والشعر، والمقالات الأدبية، والخواطر، والنصوص الإبداعية.
أرسل نصك، ودَعْه يصل إلى قرّاء يقدّرون الكلمة.
قصتك قد تكون النص الذي يبحث عنه قارئ اليوم.


اترك رد