نورهان عبدالله*

تركت معطفها بالسيارة، والثلج يذوب في يديها من شدة البرد، وعيناها تحاصران المقهى؛ تبحث بحواسها عن رجل أبيض، وشعره ولحيته كثيفتان، هكذا رأت صورته التي أرسلها لها في مكالمة عابرة.

كانت الصورة تعبّر عن وجه رجل وسيم، وندبة صغيرة أعلى خده الأبيض، وجسده الممشوق يعكس ابتسامته الهادئة.

دخلت وسحبت كرسياً من الخشب، ثم دارت بعينيها لتبحث عن هذه المواصفات التي رأتها في صورة أرسلها لها أثناء حديثهما الذي تنبعث منه رومانسية هادئة.

طلبت من النادل فنجاناً من القهوة، ومدّت ساقيها بهدوء، لتشعر بأنّ الألفة التي بنتها بينها وبين المقهى، هي التي ستشعر بها حين تراه للمرة الأولى. هذه المرة ليست صورة عبر الفيس بوك، لكنها ستراه وجهاً لوجه.

فتحت حقيبتها وأخرجت صورته، وابتسمت.

ثم جاء النادل بطلبها، وقال لها مبتسماً:
• هناك رجل سأل عنك.

قالت وهي تشعر بأنّ سؤال رجل عنها يسبب ارتباكاً شديداً: ثم ماذا إن كان هو ذات الرجل الذي لم ترَ وجهه إلا في صورة عبر الإنترنت؟ قالت بهدوء:
• من هو..؟

قال النادل:
• هذا الذي يجلس هناك على اليمين.

سحبت نفساً عميقاً، ثم نظرت إليه، شعرت أنّ صورته أكثر وسامة، وأنّ وجهه عادياً لا يتسم بالهدوء، كأنه يخفي شيئاً.

سحبت حقيبتها وجلست أمامه، ابتسم ولكن ابتسامته غير طبيعية. سألت نفسها: هل هذا هو الرجل الذي أحببته سنوات؟!

مدّ يديه، صافحته، كانت تشعر أنّ يديه خشنة، لم تنُم عن شخص مدلل، أو غني مثلما أخبرها من قبل.

ابتسم وقال لها:
• أنتِ جميلة، أجمل من الصورة نفسها.

ابتسمت ابتسامة تنُم عن عدم ارتياح، ثم قالت بحزن:
• وأنت مختلف عن الصورة التي أرسلتها.

قال مندهشاً، وهو يشعر بفضول تجاهها:
• هل الاختلاف شعور جيد؟

قالت مبتسمة:
• أحياناً.
• أشعر أنكِ غامضة بعض الشيء.
• لا، بل أشعر أنّ هناك شيئاً تخفيه.

قال بهدوء:
• نعم.
• صارحني.
• أخاف.
• من ماذا؟
• تتركيني.
• لا. ولكن أريد أن أشعر أنك لا تكذب.

قال لها وهو يفرِك يديه كطفل صغير يخشى عقاب أمه:
• أنا أجلس على كرسي متحرك.

أشار إلى ساقيه المثبتتين أمامه على الكرسي المتحرك، وقال لها:
• ما رأيك؟
• لم أكن أخشى أن أراك على كرسي متحرك، كنت أخشى أن أكتشف أنني أحببت رجلاً لا أعرفه.

شعرت بارتباك وأنّ المسافة بينهما لم تكن صغيرة.

كأنه شيء ما قتل إحساسها نحوه. صدق إحساسها بأنّ ما كان يخفيه منذ سنوات أثناء علاقتهما وضح وأصبح حقيقة.

قالت بحزن:
• لماذا كذبت كل هذه السنوات؟
• تتركيني..!
• حسناً. أريد أن أحضر معطفي من السيارة.
• سأنتظرك. لديّ الكثير لأقوله لكِ.

خرجت وهي تكذب عليه مثله، وتحركت بسيارتها وهي تغلق الباب بغضب كأنها أغلقت إحساسها عن الشعور به.

* قاصة وشاعرة – أستراليا

امرأة مسنّة تجلس بجانب نافذة وتنظر إلى الخارج بتعبير تأملي.

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


Comments

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة