صورة الكاتب غسان كنفاني ورسماً لغصن برتقال وعنوان مجموعته القصصية "أرض البرتقال الحزين".

أرض البرتقال الحزين: رحلة في أعماق الفقدان والذاكرة الفلسطينية

عبدالله عباس

تمثل مجموعة “أرض البرتقال الحزين” للأديب الفلسطيني غسان كنفاني واحدة من أبرز التجارب الأدبية التي نجحت في تحويل المأساة الإنسانية إلى فن خالد، استطاع كنفاني أن يصوغ من جراح النكبة الفلسطينية عملاً أدبياً يتجاوز حدود الزمان والمكان ليصبح شاهداً على قدرة الأدب في توثيق الذاكرة الجمعية وصياغة الوعي الإنساني، هذه المجموعة القصصية التي صدرت في ستينيات القرن العشرين لا تزال تحتفظ بقدرتها على إثارة الأسئلة الكبرى حول معنى الوطن والهوية والانتماء، وتظل نموذجاً فريداً للكتابة الملتزمة التي لا تتخلى عن جمالياتها الفنية في سبيل رسالتها الإنسانية.

يكشف التأمل في البنية السردية لهذه المجموعة عن وعي فني عميق لدى كنفاني بطبيعة القص وآلياته، فقد اختار أن يقدم مأساة شعبه من خلال مجموعة من القصص المترابطة التي تشكل في مجموعها لوحة بانورامية شاملة للتجربة الفلسطينية في مواجهة التهجير والاقتلاع، هذا التنوع في الأصوات السردية والمنظورات المختلفة يعكس تعدد أوجه المأساة وتشعبها، فكل قصة تضيء جانباً مختلفاً من جوانب التجربة، وكل شخصية تحمل بُعداً خاصاً من أبعاد المعاناة الجمعية.

اختيار كنفاني للبناء القصصي المتعدد لم يكن اعتباطياً، بل جاء منسجماً مع طبيعة التجربة الفلسطينية ذاتها التي تتسم بالتشظي والتشتت، فالنكبة لم تكن حدثاً واحداً بل سلسلة من الأحداث المتلاحقة التي طالت مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني، وقد نجح كنفاني في توظيف تقنية التداخل الزمني بين الماضي والحاضر، حيث تتقاطع الذكريات مع الواقع المعاش في نسيج سردي محكم يعكس حالة الانشطار النفسي التي يعيشها الفلسطيني المهجّر، فهو يعيش جسدياً في المنفى بينما تظل روحه معلقة بالوطن المفقود.

الملفت في بناء هذه المجموعة أنّ كنفاني استطاع أن يمزج بين الواقع والخيال بطريقة تجعل من الصعب أحياناً التمييز بينهما، وهذا المزج ليس مجرد تقنية فنية بل هو انعكاس لحالة الضياع والارتباك التي يعيشها الفلسطيني الذي فقد القدرة على التمييز بين الحلم والكابوس، بين ما كان وما ينبغي أن يكون، هذا التداخل بين المستويات السردية يخلق نوعاً من الإيقاع الداخلي للنص يشبه إيقاع الذاكرة الجريحة التي تستعيد الماضي بشكل متقطع وغير منتظم.

يحتل البرتقال في هذه المجموعة مكانة رمزية محورية تتجاوز كونه مجرد ثمرة أو محصول زراعي، فهو يتحول في يد كنفاني إلى رمز مركب يحمل دلالات متعددة ومتشابكة، البرتقال هنا هو فلسطين ذاتها بكل ما تحمله من خصوبة وجمال وحياة، وهو أيضاً الذاكرة التي تربط الفلسطيني بأرضه، والحنين الذي يسكن وجدانه، اختيار البرتقال تحديداً لم يكن صدفة، فهو من أشهر المحاصيل الفلسطينية التي اشتهرت بها يافا وعكا وحيفا، وكان يمثل مصدر رزق لآلاف العائلات الفلسطينية قبل النكبة.

الحزن الذي يصف البرتقال في العنوان هو حالة وجودية تطال كل شيء في عالم ما بعد النكبة، فالبرتقال نفسه أصبح حزيناً لأنه فقد أصحابه الحقيقيين، والأرض حزينة لأنها فقدت أبناءها، والإنسان حزين لأنه فقد جذوره، هذا الحزن الشامل يتسرب إلى كل تفاصيل السرد ليصبغها بلون قاتم يعكس عمق المأساة وشموليتها.

يستخدم كنفاني رموزاً أخرى متعددة تتضافر مع رمز البرتقال لتشكل شبكة دلالية معقدة، فالطريق رمز للرحلة القسرية والتشرد، والبحر رمز للحاجز الذي يفصل اللاجئ عن وطنه، والمفتاح الذي يحتفظ به اللاجئون رمز للأمل في العودة، كل هذه الرموز تتفاعل فيما بينها لتخلق عالماً رمزياً متكاملاً يُعبّر عن التجربة الفلسطينية بكل تعقيداتها.

تتنوّع شخصيات المجموعة لتشمل طيفاً واسعاً من النماذج البشرية التي تمثل مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني وردود أفعاله المتباينة تجاه النكبة، فنجد الأب الذي يبكي كطفل عندما يتحدث عن بيارات البرتقال، والأم التي تحاول أن تحافظ على تماسك العائلة في ظل التشرد، والشاب الذي يبحث عن معنى لوجوده في عالم فقد فيه كل المعاني المألوفة.

شخصية أبو علي تمثل نموذج المقاوم الذي يرفض الاستسلام للواقع المفروض، فهو يختطف السلاح من جندي إسرائيلي في محاولة رمزية لاستعادة القوة والكرامة المسلوبة، لكن كنفاني لا يقدم هذه الشخصية بشكل مثالي أو بطولي مبالغ فيه، بل يكشف عن ضعفها الإنساني وحيرتها أمام حجم المأساة، هذا التوازن في رسم الشخصيات يُضفي عليها مصداقية وعمقاً إنسانياً يجعلها قريبة من القارئ ومؤثرة فيه.

لوحة رمزية تُجسّد قوة المرأة الفلسطينية عبر الأجيال، حيث تلتقي الجدة بالحفيدة في لحظة تسليم للذاكرة والهوية.
تُحيط بهما رموز الوطن — المفتاح، الكتاب، وغصن الزيتون — كإرثٍ حيّ للمقاومة والصمود.

الشخصيات النسائية في المجموعة تحظى باهتمام خاص من كنفاني، فهن فاعلات في الأحداث يحملن همّ الحفاظ على الهوية والذاكرة، المرأة الفلسطينية في قصص كنفاني هي حارسة التراث وناقلة الحكاية من جيل إلى جيل، وهي التي تحاول أن تعيد بناء البيت في المنفى وتزرع في أطفالها حب الوطن الذي لم يروه.

حتى الشخصيات الثانوية في المجموعة تحظى بعناية في الرسم والتصوير، فالفلاح الذي يبيع البرتقال على قارعة الطريق هو رمز للارتباط العضوي بين الفلسطيني وأرضه، وحديثه عن أن البرتقال يذبل إذا تغيرت اليد التي تتعهده بالماء يحمل دلالة عميقة عن العلاقة الحميمة بين الإنسان والأرض.

وتتميز لغة كنفاني في هذه المجموعة بكثافتها الشعرية وقدرتها على التعبير عن المشاعر المعقدة والمتناقضة التي تعتمل في نفس الفلسطيني المهجّر، فهو يستخدم لغة تتأرجح بين الواقعية المباشرة والرمزية الشفافة، بين البساطة الظاهرة والعمق المضمر، هذا التنوع في المستويات اللغوية يعكس تنوع التجارب والمشاعر التي يحاول التعبير عنها.

الجُمل في نصوص كنفاني تتراوح بين الطول والقصر تبعاً لطبيعة الموقف المروي، فعندما يصف لحظات الفراق والرحيل تطول الجُمل وتتشابك كأنها تحاول أن تؤجل النهاية الحتمية، وعندما يصف لحظات الصدمة والفقد تقصر الجُمل وتتقطع كأنها تعكس انقطاع الأنفاس وتوقف الزمن، هذا الإيقاع المتغير يخلق نوعاً من الموسيقى الداخلية للنص تتناغم مع الحالة النفسية للشخصيات.

يوظف كنفاني تقنية الاستذكار والاسترجاع بشكل متقن، حيث تتداخل الأزمنة وتتقاطع الأمكنة في نسيج سردي يعكس حالة التيه والضياع، الماضي ليس مجرد ذكرى بل هو حضور حي يقتحم الحاضر ويشكّله، والمستقبل ليس أفقاً مفتوحاً بل هو امتداد للماضي المستعاد، هذا التعامل مع الزمن يعكس إشكالية الوجود الفلسطيني في المنفى حيث يصبح الزمن دائرياً لا خطياً.

لا يمكن فهم هذه المجموعة بمعزل عن سياقها التاريخي والثقافي، فهي نتاج مرحلة حاسمة في تاريخ القضية الفلسطينية حيث بدأ الوعي بضرورة توثيق التجربة وحفظ الذاكرة من الضياع، كنفاني كتب هذه القصص في الستينيات، أي بعد أكثر من عقد على النكبة، في وقت بدأت فيه ملامح التجربة تتضح وبدأ الفلسطينيون يستوعبون حجم الكارثة التي حلّت بهم.

“يكشف التأمل في البنية السردية لهذه المجموعة عن وعي فني عميق لدى كنفاني بطبيعة القص وآلياته، فقد اختار أن يقدم مأساة شعبه من خلال مجموعة من القصص المترابطة التي تشكل في مجموعها لوحة بانورامية شاملة للتجربة الفلسطينية في مواجهة التهجير والاقتلاع”

المجموعة تعكس أيضاً التحوّلات الثقافية والسياسية التي شهدتها الحركة الوطنية الفلسطينية في تلك الفترة، حيث بدأ التحوّل من حالة الصدمة والانكسار إلى حالة الوعي والمقاومة، كنفاني نفسه كان جزءاً من هذا التحوّل، فقد جمع بين العمل الأدبي والعمل السياسي، وكان يؤمن بأنّ الأدب يمكن أن يكون سلاحاً في معركة التحرر الوطني.

الأثر الذي تركته هذه المجموعة على الأدب الفلسطيني والعربي كان عميقاً ودائماً، فقد أسست لنوع جديد من الكتابة الملتزمة التي لا تضحي بالجماليات الفنية في سبيل الرسالة السياسية، كما أنها فتحت الباب أمام أجيال من الكتّاب الفلسطينيين للتعبير عن تجربتهم بأساليب متنوعة ومبتكرة.

قراءة “أرض البرتقال الحزين” اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على صدورها، تكشف عن قدرة الأدب الحقيقي على تجاوز حدود الزمان والمكان، فالمجموعة لا تخاطب الفلسطينيين وحدهم بل تخاطب كل إنسان عرف معنى الفقد والاقتلاع، كل من اضطر إلى مغادرة مكانه الأول والبحث عن معنى جديد للانتماء.


اقرأ أيضاً
غسان كنفاني: الكلمة التي صارت قضية
ربما لو كان غسان حيّاً
أدب المقاومة: ملامح الهوية الفلسطينية عبر الكاريكاتير والشعر …
الحنين في الأدب: كيف يستخدم الأدباء الحنين كأداة سردية؟
دعوا غزة تموت بسلام…


القيمة الأدبية للمجموعة تكمن في قدرتها على تحويل التجربة الخاصة إلى تجربة إنسانية عامة دون أن تفقد خصوصيتها الثقافية والتاريخية، نجح كنفاني في أن يجعل من المأساة الفلسطينية مرآة تعكس مآسي أخرى مشابهة في أماكن وأزمان مختلفة، وهذا ما يفسر الاهتمام العالمي المتزايد بأدبه وترجمته إلى لغات عديدة.

التأثير النفسي والعاطفي لهذه القصص على القارئ عميق ودائم، فهي تترك في النفس أثراً لا يمحى، شعوراً مركّباً بالحزن والغضب والأمل، هذا التأثير ليس نتيجة للمضمون المأساوي فحسب، بل هو نتيجة للقدرة الفنية الفائقة على صياغة هذا المضمون في قالب أدبي محكم يخاطب العقل والقلب معاً.

وفي النهاية، تبقى “أرض البرتقال الحزين” شاهداً حياً على قدرة الأدب في مواجهة المحو والنسيان، وعلى دور الكاتب في حفظ الذاكرة الجمعية وصياغة الوعي التاريخي، استطاع غسان كنفاني من خلال هذه المجموعة أن يحوّل الجرح الفلسطيني إلى نص أدبي خالد يتجاوز ظرفه التاريخي ليصبح جزءاً من التراث الإنساني العالمي، قراءة هذه المجموعة هي تجربة وجودية عميقة تضعنا وجهاً لوجه أمام أسئلة الهوية والانتماء والمصير، أسئلة تظل مفتوحة ومُلحّة ما دامت قضايا العدالة والحرية والكرامة الإنسانية تشغل ضمير البشرية.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.