نورهان عبدالله
الحياة كدرس ٍ قاسٍ جداً. الوقت كنافورة دماء تتساقط من أعلى لتنشر قطراتها على عالم مليْ بضوضاء البشر ومشاعرهم المزيفة. كمن يبحث في حدائق الياسمين عن أحد يشعره بالرفقة، الوحدة سمٌ قاتل.
عاش عبدالمطلب بمصر الجديدة منذ نعومة أظافره قد تجاوز الخمسين بقليل، توفت زوجته السيدة نضال، وسافر أدهم إلى كندا وهنية إلى تركيا، عاش وحيداً يصارع فقدان البصر، يرتدي نظارة سوداء فلا يراه الغائب أو الحاضر.
وحيداً كوحدة تبعثرت حول جسده، هو لا يشعر كيف تكون الحياة خارج إطار بيته، لم يدق هاتف المنزل منذ أن استهلك العمر مشاعره، الوحدة وفقدان البصر شيئان يكملان بعضهما كدقات قلب توقفت مبكراً، ما معنى الحياة إذا لم نجد ونيس…؟
تفحص عبدالمطلب دفتر الأرقام، أرقام عادية لأشخاص لا يعنيهم في حياته، وحين تنشر الشمس أشعتها صباحاً يذهب متجهاً إلى المحلات كروتين يومي، يعرفها جيداً كخطوات قدميه. وبعد رحلة شراء كبيرة، يطلب عبدالمطلب من أصحاب المحلات أن يسجلوا أرقامهم في الدفتر، ثم يقرأهم بحرفة صانع عن طريق طريقة برايل.
حياة عادية، حتى قطته الأليفة طردها خارج البيت فهو غير قادر على إطعامها، فهل يشعر أحدهم كيف تكون حياة الضرير…؟!
وفي صباح يوم جديد، بشمس وحيدة كوحدته، اختار أن يتحدث مع حفيده عُمر، قال وهو يشعر بلهفة، ومشاعره مضطربة، وفرحته كمطر غيمته شديدة “هل تسمعني يا عُمر.. أفتقدك بشدة.. ألو.. أل..” انقطع الخط، فارتكن عبدالمطلب إلى الفراش متأملاً حاله، كيف وصل إلى هذه الحالة…؟
احتفل عبدالمطلب بعيد ميلاده الواحد والخمسون وحيداً ككل عام، لكن هذه المرة لم يفقد احساسه بالحياة، كان يشعر أنّ هناك شيء سوف يحدث، وقف وحيداً بجوار النافذة يتأمل قطرات الماء كرذاذ شديد يضرب أرصفة الشوارع.
سمع عبدالمطلب صوتاً غريباً أمام باب بيته، اتجه مسرعاً لكن لا أحد أمام البيت وتساءل مندهشاً من ترك هذه البطاقة…؟!
أغلق الباب متجهاً نحو الصالة، شد كرسياً وجلس كأنه يلهث كما يلهث الحيوان حينما يأكل فريسته، فتح البطاقة فلم يجد اسماً، لكن أكثر ما أدهشه أنها رسالة مكتوبة بطريقة برايل، رسالة رومانسية تهنئه بيوم مولده، رسالة من غير اسم أو عنوان …!
سحب هاتفه واتصل على أدهم ولحسن حظه سمع صوته، كان أدهم سعيداً لاجتيازه امتحان القدرات، لدراسة الفنون الجميلة في إحدى جامعات كندا.
وحين أخبره أدهم بأنّ سعادته تفوق شعور أبوه بالحزن، فأغلق الخط بعد عشر سنوات لم ير فيه عبدالمطلب أبناؤه، وقد نفى أدهم أي صلة بهذه البطاقة وقال ساخراً “أنا منشغل بامتحان القدرات.. فكيف سأرسل هذه البطاقة…؟!”
عاود عبدالمطلب الاتصال بابنته هنية ولأنّ هذه العطلة الرسمية لديها، فقد أغلقت الهاتف بعد مرات حاول فيها أن يتصل بها ولم ترد، فأرسل لها رسالة يسألها عن البطاقة فردّت رد مقتضب “عزيزي أبي.. أنا أحتفل بعام جديد.. اكتفِ بنفسك.. أحبك”، وتساءل في نفسه “ي حب هذا الذي لا يرى فيه الأب أبناؤه…؟”.
ثوان اتصل عُمر بـ عبدالمطلب، وهنّئه بمولده، وتوقع أنّ حفيده هو الذي أرسل البطاقة فنفى عُمر أي شيء، وقال وهو يضحك ساخراً “يا جدي.. إذا أردت أن أهنّئك سأتصل بك، ربما صاحب محل السمك.. أو محل المكواه هو الذي أرسلها لك لأنك عميل دائم لديهم..”، أغلق عبدالمطلب الخط وقلبه يبكي.
من صاحب هذه البطاقة…؟!، هكذا بدأ يفكر فيمن حوله، سأل كل أصحاب المحلات كما قال عُمر “أنت عميل دائم لديهم” لكن كلهم نفوا علاقتهم بالبطاقة، فمن إذاً أرسل هذه البطاقة..!
وأثناء ليلة ممطرة كعادته يجلس عبدالمطلب وحيداً، رنّ الهاتف، كان صوتاً أنثوياً قالت له “كل عام وقلبك بخير”، شعر بالاندهاش وقال بفراسته “أنتِ صاحبة البطاقة”، قالت وهي تضحك لشدة نباهته “أردت أن أهنئك”، واستطردت بخفة “أنا صديقة نضال، أعيش في الطابق الثالث، وقد جئت إلى هذا البيت مؤخراً لأنني أهتم لأمرك”، طلب منها عبدالمطلب أن تفسر له ما سبب هذا الاهتمام، فقالت بتلقائية “أريد أن أراك قريباً”، قال عبدالمطلب وقلبه يدق “لماذا…؟، ولماذا أرسلتِ البطاقة.. كأنّ شيئاً غامضاً يحدث..!”، قالت بصوتها الأنثوي مرة أخرى “لأنني أعرف عنك الكثير.. أكثر مما تعرف أنت عن نفسك..”، ثم استطردت بحزن كمن فكرته بألمه “أنا وحيدة هنا، وتوفى زوجي منذ خمسة عشر عاماً، ليس لديّ أطفال، لذلك أنا مهتمة لأمرك”، قال لها مرتبكاً “يمكننا تناول فنجان قهوة معاً”، أغلقت الخط وكانت في لحظة أمام باب بيته، ثم فجأة شعرت أنّ شيئاً مازال يجذبها له، فتح عبدالمطلب الباب ولأنه لا يستطيع أن يحدد هيئتها وقع في حب صوتها الأنثوي وقال: “بطاقة مناسبة في يوم مولدي.. من امرأة رائحة عطرها تفوق رائحة وحدتي”.



أضف تعليق