رضوى العسكري

في أوائل القرن التاسع عشر، حيث ذروة انتشار حدائق الحيوانات البشرية، وبالتحديد في إحدى غابات بلجيكا، يتجمهر الزائرون كدأبهم لمشاهدة عرض اليوم…

من داخل القفص يظهر، في وضعٍ منحنٍ، رجل أصلع ذو بطنٍ مترهل ينم عن شراهة كشراهة الغيلان في القصص القديمة. يتخذ قبعة ضخمة من الخوص، يجذبها إلى وجهه كلما تصيده شعاع قوي من ضوء الشمس، فيخيل للمتجمهرين من حوله أنه مصاص دماء أتى من حقبة مغمورة، وربما سيفتك بهم في أي لحظة، أو ربما هو الغول حقاً بذلك الحدب البارز الذي لا يستطيع معه استقامة أبداً.

يُنفخ البوق فيبدأ العرض، وتتصاعد دقات الطبول الصاخبة، ليبدأ ذلك البدين برقصات يهتز على إثرها كامل جسده، فضلاً عن بطنه المترهل الذي أثار -خصوصاً- ضحكات الأطفال، وأخذوا ينهالون عليه بالعطايا: موز وفول سوداني وفاكهة.

لكن كالعادة يأتي الشرير الذي يفسد المشهد؛ فقد تعمّد أحد الأطفال أن يلقي بثمرة جوز أطاحت بقبعة الرجل، فصرخ هلعاً كالمجذوب وهو يواري عينيه بيديه، فاضطربت الأجواء وتذمر الحاضرون.

وفي محاولة لإنقاذ الموقف، اندفع المشرف على العرض قائلاً بغضب:
– “نُبل”، قم والتقط القبعة وأكمل العرض وإلا لا أجرة لك اليوم.
– “نُبل”!! قالتها امرأة في سخرية، وأردفت:
– جنسٌ أدنى ويسمي نفسه نُبل.

أتبعَتْها بضحكة صاخبة، وتوالت بعدها ضحكات الآخرين، فغضب “نُبل” وأصر على المشرف أن يفتح له القفص ليفر متوارياً عن الأنظار.

بعدما هدأ روعه قليلاً، أخذ يزن جملة تلك المرأة بميزانه الذي لا يرى أدق منه:
– “جنسٌ أدنى”… تتردد في ذهنه، ويعدد معها عيوبه: حدبٌ بارز، إصبعٌ زائدة بجانب إبهامه، حساسية مفرطة للضوء، وأذنٌ يسرى صماء، فضلاً عن جسده البدين وبطنه المترهل.

صحيح أنه ليس أسود البشرة ولا من الهنود الحمر، بل هو من السكان الأصليين… لكنه يؤمن بالعلم.

غصة في حلقه ينفض أثرها، ويردد:
– نعم، عرقٌ أدنى… وأنا أؤمن بالعلم.

أفِلت الشمس وغادرت أشعتها التي تزعجه، لكنه يتحيّن الليل؛ بل تلك الليلة بالتحديد التي ينتظرها كل عام لينطلق في رحلة قصيرة لكن هامة، ووجهته هي جنوب الغابة.

وخلال سويعات انتظاره، أخذ يغوص في ثنايا أفكاره، يجذب واحدة ويلقي بالأخرى في وادٍ سحيق، يستبشر بفكرة أنه من تلك الثلة النادرة التي تؤمن بالعلم وتعترف لنفسها بكل وضوح أنها جنسٌ أدنى، ويدعس فكرة أخرى تخبره أنه لم يولد ليعمل في سيرك الحيوانات البشرية.

ظل على تلك الحال حتى جنّ الليل وتوسط القمر ساحة السماء، فأعَدّ العُدة وانطلق في رحلته، بينما يتذكر بضع جمل مبتورة بقيت في ذاكرته من كلام جدته عن أسطورة “أغصان السراب”:

“إنّ تلك الأغصان يا بُني تجعل من يمتلكها نبيلاً من سادة النبلاء… كل من ينظر له يعمى عن أي عيبٍ فيه ويغفل عن أي ماضٍ مخزٍ له كأنه السراب… تتفرع من شجرة الزان العتيقة الكائنة في جنوب الغابة… لها لونٌ قرمزي وهّاج ليس كباقي الفروع… ستجدها في منتصف الشهر السادس من العام…”

عندما يتذكر هذا الجزء بالتحديد، فإنه يلعن نفسه وجدته وحياته البائسة، إذ لا يذكر أأخبرته جدته أي عام ونسي أم لم تخبره من الأساس.

فلم تكن حكاياتها ذات معنى له حينها.

ولوهلة، رفع يديه للسماء رغبة في التوسل بأن يكون هذا هو العام المنتظر، لكنه تراجع فور تذكره أنه لا يؤمن بوجود إله، ومضى مكملاً طريقه، يُمنّي نفسه بأنه وإن لم يجد الأغصان هذا العام فربما يجدها العام المقبل أو الذي يليه أو الذي يليه، سيظل ينتظر ذلك اليوم الذي يحظى فيه بنصيبٍ من اسمه “نُبل”.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


Comments

اترك رد

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة