شيرين فكري عثمان*
بين المتشائم والمتفائل، تتبدل وجوه الحياة.
كلٌ منّا ينظر إلى الحياة ويرى فيها ما يخصّه، فمنّا المتفائل ومنّا المتشائم. فنحن جميعاً كالقمر، لنا جانبٌ معتم وآخر مُضيء، فمن أي الجانبين تستحق الحياة أن تُرى؟
إذا تعمّقنا أولاً في نظرة المتشائم، نجدها نظرة تسودها مسحة سوداوية، وكأنه لا يرى من الحياة سوى ظلالها القاتمة، بإصرار يشبه عتمة البحر العميق. يعيش كأنه كفيفُ القلب، بلا نوافذ للأمل. فما فائدة البصيرة إن لم تستنشق معها عبير الحياة، حتى وإن لم تأتِ كما نتمنى؟ يميل المتشائم إلى الانعزال والوحدة، وينغمس في أحزانه، مبتعداً عن الناس شيئاً فشيئاً. ينزوي ويجوب داخل عالم افتراضي خاص به، بديلاً عن واقع لا يستطيع التكيّف معه أو تقبّله. ومع شعوره المتزايد بعدم الأمان في محيطه، تتسع عزلته وتتفاقم تدريجياً، حتى يبتعد عن الآخرين، حتى أقرب الأقربين إليه. يفقد الثقة بمن حوله، فتنهار علاقاته الاجتماعية، ويغدو أسيراً للاكتئاب، ثم يتحوّل إلى مرضٍ مزمن لا يستطيع الفكاك منه. عندئذٍ تصبح ردود أفعاله غريبة، وربما عنيفة وغير متوقعة، وتفتقر إلى الذوق واللباقة. يجد نفسه وحيداً مغترباً وسط الزحام، فينفضّ منه الجميع مثلما ابتعد هو عنهم في البداية.
ذلك المتهكم وذاك الشخص السلبي، الذي لا يجد في الحياة أي بارقة أمل، يسقط في فخ اليأس بعد معاناة وتجارب متكررة من الفشل، فتتلاشى لديه الرغبة في إطلاق العنان لأفكاره، وتنطفئ شهيته نحو خططه واقتناص الفرص، وكأنّ مصيره قد تحدد وانتهى. في تلك اللحظة يشعر أنه بلا قيمة وبلا هدف يستحق أن يحيا من أجله. وهذا يُكتشف عند تعرضه لأول موقف يُختبر فيه، حتى وإن كان بسيطاً أو تافهاً. عندها يتغير شعوره ويزداد سوءاً، ويتعمّق تشاؤمه وينغلق على نفسه أكثر، خاصة إذا تلقى صدمة عنيفة عند تعثّره في بلوغ هدف كان يطمح إليه. حينها يصبح أشبه بعصا هشة تنكسر وتطير مع أول ريح هادئة. وهذا يشير إلى اهتزاز الثقة بالنفس قبل كل شيء، وبقدراته على مواجهة الحياة، وكذلك إلى اليأس وسوء الظن بالله وضعف الإيمان، حيث تُعد جميعها من جنود الشيطان التى تنخر في قلبه لتزيده ظلاماً. وكما قال الفيلسوف والكاتب الروماني إميل سيوران:
“على المتشائم أن يخترع كل يوم أسباباً أخرى للاستمرار في الوجود، إنه ضحية من ضحايا معنى الحياة”، لذا يجب على هذا المتشائم أن يدرك ألا يقع أسيراً لأحلامه المؤجلة، فذلك قد يُعيقه عن اتخاذ أي خطوة نحو حل مشكلاته، التي نشأت أساساً من عدم قدرته على تحقيق النجاح، وهذا ما قد يُبعده عن أهدافه أكثر فأكثر.
اقرأ أيضاً
كزهرة بريّة
بين الألم والأمل
ابتسامتي التي أذهبت مهابة أمي!
لمحة من حياة..
وإذا تَمَعّنا في نظرة المتفائل للحياة في زمن اليأس، نجده يرى التفاؤل حقيقة حياتية، أو ربما علاجاً وهمياً، كأمرٍ إيجابي يخفف من وطأة الحياة عليه. ومن يمتلك بصيص النور يظفر بطاقة الأمل في الحياة، ليضيء عتمته. فهذا المستبشر بالخير رغم أنف الحياة، المبتسم رغم الوجع، يدرك أنّ دروب الحياة، كلما وطأت قدماه فيها، وبقدر ما فيها من صعوبات وتحديات، توجد بها مخارج لكل المشكلات التي تحيط به وتعيقه؛ “تولد المِنح من رحِم المِحن”. هذا المتفائل المحب للحياة يتيقن بأنها تُرغمه على تغيير مسار اختياراته، واستبدال الطرق التي يسير فيها، والتي يخيّل إليه في لحظة ضعف أن يتخلى فيها عن أحلامه، حتى يستطيع استغلال الفرص على نحوٍ أمثل، واغتنام ما يناسب قدراته لتحقيق آماله وهدفه المنشود في معترك الحياة. هذا المتفائل الذي يُبصر قلبه دائماً بمقولة الإمام الشافعي ويضعها نُصْبَ عينيه:
قُل للَّذي مَلأ التَّشاؤُمُ قلبَهُ ومَضَى يُضَيِّقُ حَولَنا الآفَاقَا
سِرُّ السَّعَادَةِ حُسنُ ظَنِّكَ بالذي خَلَقَ الحياةَ وقَسَّمَ الأَرزَاقا
هذا الشخص الإيجابي، ذو العزيمة القوية والثقة بالنفس، كمن يمتلك بصيرة واضحة نحو هدفه المحدد، يعلم ماذا يريد وإلى أين يصل، رغم الصراعات والعوائق. صبور وشجاع، مهما ضربت الرياح كل السبل نحو نيل طموحه، يشق طرقاً جديدة حتى يصل إلى برّ الأمان ومبتغاه. المتفائل في وجه الحياة لديه نظرة اقتناع ورضا بأنّ الله لن يخذله ما دام يسعى وراء مراده. لا يتكاسل ولا ييأس، حتى وإن تملّكته مشاعر الإحباط بعد مرات من الفشل في إيجاد ذاته وسط ضجيج الواقع، وواجهته معوّقات وخيبات متتالية. فهو دائم الصمود أمام كل ما يحاول أن يكسر روحه المقاتلة، مهما تعاظمت الأخطار، وزعزعته خطوات الفشل في لحظات كثيرة، ليثبت لنفسه قبل الآخرين أنه قادر على تحدي اختبارات الحياة دون خوف أو استسلام، بل يزداد قوة مع كل ضربة من ضرباتها، ويصبح أكثر إصراراً مع كل تحدٍّ حتى يصل إلى قمة هدفه في النهاية. فتراه يحاول دوماً الابتعاد عن اللوم والنقد والمقارنات، التي تشدّه إلى الوراء وتثبط عزيمته، ويسعى للاقتراب من كل وسائل التشجيع والتحفيز، معتمداً على قدرته على تحدي نفسه والظروف.
وختاماً، أصحاب القلوب التقية النقية المؤمنة بالله هم من يحاربون أنفسهم ووساوس الشيطان أولاً قبل أي شيء، من يأسٍ وسوء ظنٍّ بالله في تيسير أمورهم في الحياة، دون تمرد أو تحميل ذنب أخطائهم على الظروف أو الآخرين. وكما يُقال:
“ليس الأعمى من لا يرى، وإنما الأعمى هو الذي لا يشعر بما يراه ولا يتدبر فيه، فكم من بصير يرى بعينه ولكن قلبه لا يرى شيئاً، وكم من أعمى البصر لكن قلبه يرى”. وأخيراً أحب أن أقول: “يا تكون قد الحياة، يا تعيش وحيد وسط الدروب. فمن يموت متفائلاً خيرٌ ممن يعيش متشائماً. عِش لحظتك ولا تستسلم للعثرات، وواجهها بكل قوتك لتنعم بحياتك، فالحياة تستحق أن تُحيا لتشعر بما فيها من خيرات الله”.
وأجمل ما قيل عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: “تفائلوا بالخير تجدوه”.
*كاتبة ومُعِدّة برامج في إذاعة البرنامج الثقافي بالإذاعة المصرية… مصر



اترك رد