نورهان عبدالله*

أسرعتُ أمسح الدماء المتناثرة على الأرض، وصورتها المعلقة على الجدار سقطت، وأحدث انكسارها صوتاً عالياً، وقفتُ بجانبها دون أن أذرف دمعاً…

جثة هامدة، لا تتحرك كبحرٍ راكد، أو سماء أقفلت سحبها فأمطرت قطرات حمراء…

نعم… قطرات كدماء، ربما ما أردتُ تسميته.

قلتُ له ويدي ترتجف:
– هنعمل إيه دلوقتي؟!
– ما تخافيش.
– خايفة تكون لسه صاحية وفيها روح؟!

طلب مني أن أحضر صحناً به ماء ساخن، ماء يغلي أكثر مما تغلي أحاسيسي، وتسقط على جثتها نقطةً نقطة، ربما لو افتضح أمري معه، لم أكن لأرفع رأسي أمام العالم، ولو كانت هي العالم بأكمله… ولكن قد كان.

تركتُ الغرفة واتجهت إلى الصالة المفضية إلى المطبخ…
وضعت السكين على الأرض، أحضرت الصحن، تناوله بهدوء.
لأول مرة لم يخف، ولم يرتجف…

هل هو متمرس في القتل؟
بالطبع لم يكن.
لم يكن متمرساً إلا ويده على جسدي، مرة وراء مرة، والليل يحلو معنا.

كنا قد سقطنا في بئر الخطيئة.
لم أفهم ما تشير إليه الحياة إلا ويدها على مقبض باب حجرتي، ويدها الأخرى تريد أن تقتلنا معاً…!

لم أندم على لحظات الحب معه، حتى ولو كانت خطيئة.
كنت أحتسبه عاشقاً قبل أن يكن خطيباً.
تعرّفنا عن طريق البلكون المفضي من بيته إلى حجرتي.

كنا نتلاقى بأعيننا معاً، نتحدث في الهاتف، ونملي أنفسنا بعبارات تكسر حائطنا.
أرتدي ملابسي التي تجعلني أنثى في عينيه، فيرى كل ما يحلو له.
نتبادل الهمسات وحلو الكلام.
تمادت علاقتنا، ووصل هو إلى فراشي، ونهلنا من العشق أبواباً.

وفجأة…
سمعت الباب يفتح.
كانت أمي.

نهضت مسرعة وارتديت ملابسي، وهو يصرخ مهرولاً متماسكاً:
– اكتمي نفسها… أخرسي صراخها!

فشلت في كتم أنفاسها.
فأمسك يدها وألقى بها أرضاً.
ثم ناولته السكين من المطبخ.
قتلها كصياد قادر على قتل فريسته دون تلطيخ جسده بدماء.

وقفنا معاً نشاهد أمي وهي تنزف.
لم يكتفِ هو بما فعله…
قطّعها قطعاً.

كنت خائفة، ليس من نفسي، ولكن من اللحظة التي سأكون فيها أمام الحياة زانية.
بصقتُ على جثتها، وفي قلبي ألم.
فكسر الألم خوفي، وتذكرت وجوده في بيتي، وأنّ علاقتي معه ستخرج إلى العالم كصحيفة صفراء لا يقرأها سوى رجل عاشق للخيانة.

وضعت يدي على صدري، وقلبي يحمل الخوف مثلما تحمل الصحراء جسدها.
اتفقنا أن نضع جثتها في صحراء خالية من قدم بشر.
شعوري بأنّ أمي تسقط من على الفراش، لنسحبها معاً على الأرض، ونسحل جسدها، ثم نقطعها قطعاً صغيرة…

كان فيلماً ساقطاً، لا يشاهده إلا مجموعة من الساقطين.
لم أستطع أن أشاهد جثتها تتمزق…

مرّ شريط علاقتي به أمام عيني.
ولكن ما أسكتني هو شعوري بألا يفتضح أمري.
أحياناً الصمت رحمة…
رحمة لأمي…
رحمة لها أكثر من قسوة الزمن لما سيفعله معي.

كل ما خططت له وقع دون أن يلاحظ أحد من الجيران تغيير رائحة الدم على الأرض أو الحائط، أو أن تترك الدماء رائحة كريهة في أرجاء البيت.

لكن توقعات عقلي فشلت.
وبدأت الأسئلة تنهال على رأسي…
عن مكان أمي، ولماذا اختفت خلال الفترة السابقة.

لم نستطع التخلص من رائحة الدم…
حتى بدأ الجيران في بث شكوكهم داخل شقتنا، وأنّ أمي قد قُتلت، وليس كما قلنا أنّ شخصاً سرق البيت.

لم تكن ردودنا مقنعة…
أو حتى لكل من يرانا ليسأل.
وجدت الشرطة ملابس لعشيقي.

حينها تذكرت…
حضن أمي أحلى من رائحة الخبز الطازج.
أحلى من رائحة الياسمين.

تمنيت في لحظتي أن أقطع تذكرة إلى قبر أمي…
أن أحتضنها…
أن أقبّل يدها…
وأن أبكي.

ولكنني لم أبكِ.

كنت صامدة بعد أن صدر حكم بإعدامي، ومؤبد لعشيقي.
نظرت إليه نظرة أخيرة…

نظرة كنظرة أمي قبل أن أضع سكيناً في روحها.
وسقطت على أرض قفص حديدي…

وقلبي يسألني قبل عقلي:

هل سألحق بها دون أن أترك أثراً في قلبها؟
أو شعوري بيدي تستكين في حضن يدها،
ومشاعري تسقط كحبات عنب على قبرها؟


*قاصة وشاعرة – استراليا


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق