نورهان عبدالله*

تطل برأسها من النافذة، كمن تبحث عن شجرة تظلل انتظارها. ترفع رأسها والمطر يضع أصابعه على النافذة، فيغرق وجهها؛ ليس من شدة المطر، بل حزناً على شيء ثمين.

زاغت بعينيها بعيداً، كشريط فيلم ممتلئ بالحب، تجد فيه البطلة صورة حبيبها حين غادر الوطن، ليبحث عن أمل مفقود.

هي تظن أنّ العالم الذي دسّ أنفه في قلبها ليخبرها بأنّ كل ما تشعر به ليس هيناً.. ليس إلا عيباً؛ حين تفكر في رجل ترك الوطن لأجل أن يبحث عن وظيفة مرموقة ومرتب كبير. لم يخبرها من قبل أنّ الفراق كسكين أسود يطعن عقلها قبل قلبها.

“عام وأعود لنتزوج..”
هكذا دفع شعورها بالحب، في لحظة، إلى انتظار…!

تذكرت يوم الاثنين الماضي، أنّ آخر خطاب كان مفعماً بمشاعر الحب، وأنّ ما قاله لها هو بذرة اطمئنان رسمت البسمة على وجهها.

لم تخبره أنّ شخصاً آخر سيتزوجها، وأنّ المسافة بينهم كبيرة..
هكذا أخفت دمعتها، بعد أن وقعت في فخ قرار من أبيها بأنها ستتزوج الشهر القادم من صديقه منذ الطفولة؛ ثري، ولديه أموال تكفي لشراء كل شيء.

سندت رأسها على الفراش، ودمعاتها أوقعتها في جرح أكبر من حربها الداخلية.

كل اثنين تقف بالقرب من النافذة، تطل على صندوق البريد، كأنها تنتظر قلبها الذي هرب ولم يأتِ ليخبرها بأنّ الحياة كشجرة عارية في فصل الشتاء.
يوم آخر، ومشاعر أخرى، وقلب آخر، وعقل آخر.

يومها المشؤوم..
“ستتزوجين اليوم..!”
قرار صعق قلبها.. تتزوج رجلاً غير الذي أحبته..!

دخل عليها وبيديه علبة ذهب من القطيفة.
جلست بالقرب منه تحاول أن تكشف عما في صدرها، صمتها كان أقوى من فرحة أبيها..
وقلبها المشتت من رحيله، لم يكن إلا قطعة ثلج على قلبها؛ مشاعر سخيفة، وعقل لا يشفى من وجع حب لم يكتمل.

“سأتزوج غداً…”
هكذا، كلمة واحدة في ورقة صغيرة، كخطاب أسود على رأسها. لم تدرك أنّ ما ستفعله سيقتل انتظارها..

“مبروك..”
هكذا قال لها. صدمها وجوده في البلد، وأنّ كلمة واحدة مزقت مشاعرها تجاهه.
صدفةً طلّت من النافذة، كان بيديه يد امرأة أخرى، يضحكان ويتهامسان، والعشق ملأ جفونهما.

تخفت خلف النافذة، وفجأة سمعت صوتاً من الخارج؛ كان أبوها يخبرها بأنّ زوجها ينتظرها.

أي انتظار..!
لا أحد يدري شيئاً عن الانتظار إلا سواها. هذه الشرفة شاهدة على حبها بعد أن أصبح مجرد وهم.
لا أحد يدرك معنى الانتظار سوى حبيبة تركها الحب في نهر جارف، ولم ينقذه أحد.

تزوجت..!
ملك جسدها ولم يملك مشاعرها، فكسرها؛ كلوحة يراها الجميع جميلة، بينما تراها هي مجرد خطوط متوازية لا معنى لها.

تركها على الفراش..
“هل تسمعيني..؟!”
هكذا كان صوته الأجش.
لم ترد..
تركته مشتتاً من صمتها، وأخذت حماماً بارداً، ثم نقلت رأسها من على كتفه إلى كتف الحياة..
أو كتف الانتظار..

سمعت صوت زغاريط.. زاغت بعينيها من شرفة بيتها الجديد، احمرّ وجهها؛ لا من الخجل، بل من وجع لا تستطيع إخفاؤه. قتل فرحتها، ويده في يد أخرى.

“تزوج” هكذا قالت في رأسها..
ودمعتها بللت كتفه..
“لماذا تبكين.. أعرف.. من الفرحة” هكذا قال مبتسماً..
لم يفهم أنّ الانتظار كان جزءاً من أعضاء جسدها..
انتظار رجل صوته كان يدوي في قلبها ثم هدأ..
أطفأت شمعتها ونامت على كتف غير كتف.


*قاصة وشاعرة – استراليا

قلم ريش أبيض داخل زجاجة حبر سوداء، بجانب كمبيوتر محمول، مع نص يروج لمنصة كتابية.

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


Comments

اترك رد

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة