نسيمة حيفى

استبدت به الرغبة في الاختفاء فجأة. إنها حالة أصبحت تصاحبه منذ مدة ليست بالهينة: خمول جسدي، تساؤل، وصخب فكري. يخشى في كثير من الأحيان أن يبقى مع ذاته. ثقل يجره نحو قاع سحيق، وعدم يلفه من كل الجوانب. رغبة في التحلل تجتاحه، وكأنه عقد متماسك انحل على حين غرة، فاندثرت لآلئه هنا وهناك، محدثةً صوت ارتطام ضخّمه الفراغ ليتحوّل إلى صدى مكتوم.

كان يلعن نفسه، كان يلعن وجوده إن كان موجوداً حقاً. غائباً عن الوعي، يطفو على ركام اليأس كان. التصق بالحائط، أفرغ مثانته ظناً منه أنه سيصبح أقل ثقلاً؛ فقد تصورها بطريقة بديهية، حيث نطمع نحن بني البشر في التخلص من الخواء بأفعال غير منطقية بتاتاً.

لعن إدمانه على الجعة التي تلح عليه التردد على المرحاض كل عشر دقائق، ثم بصق على الأرض في تقزز. تذكر الدين الذي يدين له به صاحبه: ألفا درهم استدانها منه متعللاً بشراء الدواء لزوجته، ثم ما لبث خسرها في القمار.

أخذ يفكر: إذ كيف سيرجع المبلغ لصاحبه وهو دون دخل ثابت؟ ثم قرر أن يتجنب اتصالاته، وأن لا يتردد على أي مقهى يُحتمل أن يكون فيه. قرر أنه سيعتزل القمار؛ فالديون التي تراكمت عليه جعلته في كل مرة يفر من مدينة إلى مدينة، ما حال دون استقرار مهني. فأخذ يجر عربته نهاراً يبيع الخضار الموسمية، وليلاً في المقاهي يقامر بأرباح نهاره.

يدخل الملهى الليلي وهو يقنع ذاته أنها آخر مرة. يقعد وسط جماعته، وبين تأثير الخمر واللغط يصيب العربي هذه الليلة، يهتف: إنها ليلة الحظ! – هكذا كان يطلق عليها حين يكسب. يشتري ما لذ وطاب من مأكولات ومشروبات، يدخل المنزل وهو يهلل ويذكّر زوجته بمزايا القمار. تأخذ الأخيرة من يده الأكياس وتقبّله، فيدرك أنّ هذه الليلة سينال مبتغاه منها. يجلس على الأريكة في تبختر، مفتر الثغر، يسأل زوجته: هل نام الطفل؟ تجيبه بالإيجاب، ثم يمسك الريموت يقلب القنوات في ملل، منتظراً العشاء.

عندها سمع طرقاً على الباب. وبما أنه كان رائق البال، لم يَنْده على زوجته لفتحه، بل قام متكاسلاً يدندن أغنية من أغاني عبد الهادي بالخياط. تفاجأ حين أخذت وتيرة الطرق في تصاعد، فردد من هناك: أنا آتٍ. فتح الباب ليرى صاحب الدين متحجّر الملامح. تجمّد العربي في مكانه، لا مفر حقاً. وقبل أن ينطق، أمسك عبدالقادر بخناقه وهو يتوعد:

– ألم أقل لك إنني سأجدك يا ابن الكلبة ولو تبخرت!

– أرجوك امنحني بعض الوقت، لقد استدنت مرة أخرى، فعلاج زوجتي باهظ.

خرجت زوجة العربي حفيظة بعدما تناهى الصراخ إلى مسمعها، وهي تولول:

– ستلحق بنا الفضيحة، وسننتهي في مركز الشرطة. أيرضيك هذا يا سي عبدالقادر؟

– بل سينتهي بنا المطاف في المستعجلات إن لم يرد زوجك الدين الذي عليه.

نزعت السلسلة الذهبية من عنقها ووضعتها في راحة عبدالقادر. أطلق الأخير ياقة العربي وأخذ يتفرس في السلسلة ويزن خفتها، ثم قال:

– إنها أخف من أن تساوي ألفي درهم.

أطلقت زوجة سي العربي دموعها وهي تترجاه أن يغض الطرف حالياً إلى أن يؤمّن له العربي المبلغ المطلوب. وضع السلسلة في جيبه وغمغم:

– إن تركتك اليوم فالشكر لزوجتك.

دخلت زوجة العربي في هدوء إلى المطبخ، لم تنبس ببنت شفة، فقد ألفت هذه الأوضاع. غير أنّ اليوم فقدت السلسلة الوحيدة التي ورثتها عن أمها. وضعت الطاجين على الموقد، وهي تتساءل كيف ستعتق نفسها من هذا الزواج التعيس. تفكر في ابنها: إذ كيف ستعيله؟ كيف ستؤمّن له سقفاً يأويه؟

كانت تتآكل من الداخل وهي تسترجع يوم باعها أبوها لأول رجل تقدم لها. لم تكن تعرف شيئاً عن العربي، كانت تلمحه من بعيد لبعيد، لم تشعر بانجذاب نحوه قط. لم يكن طويل القامة، حتى إنّ ملامحه أبعد من أن تكون ملامح رجل سويّ. كان يحمل يوم خطبتها ربطة نعناع وقوالب سكر، وفي أعقابه أمه التي دبرت له هذا الزواج. فقد لمحت حفيظة يوماً في الحمام تغسل شعرها المنسدل، فأعجبت بقوامها. سألت فورها الجلاسة عن من تكون صاحبة القوام الرشيق التي لم تتجاوز السادسة عشرة سنة.

جلس العربي وكذلك أمه أمام والدي حفيظة، ثم عبرت أم العربي الحاجة رحمة عن رغبة ابنها في رؤية العروس. حينها دخلت حفيظة وهي تحمل صينية الشاي، فتومئ لها لالة خدوج -أمها- بالجلوس أمام العربي. لم تكن تشعر بالحياء بالقدر الذي تشعر به بالغثيان. لم تعجب به، ولا تستطيع الإفصاح عن رأيها. بحركة من عينها تأمرها لالة خدوج أن تنهض، فقد حان وقت التفاوض على المهر إن أعجب بها العريس دون اللجوء إلى رأيها.

أخذت تنتظر في غرفتها إما أن يُحكم عليها بالمؤبد مع رجل، أو أن تُعتق فيؤجل المصير المحتوم. لم يطل انتظارها حتى سمعت زغرودة لالة رحمة، فذرفت دموعها في صمت. يوم بعده تم عقد القران في حفل اقتصر على كبار العائلة، وبين عشية وضحاها أمست عند العربي الذي كان يكبرها بعشر سنوات.

أفاقت من شرودها على صوت العربي الذي يقرفها، يصيح في وجهها:

– هل العشاء جاهز؟

تتنهد ثم تحمل الطاجين مع الخبز، تضعهما على الطاولة في برود، وتدخل الغرفة التي ينام فيها زيد ابنها. يتبعها العربي بعينيه، ثم يلعن اليوم الذي أذعن فيه لأمه حين أعربت له عن رغبتها في تزويجه. كان يبلغ من العمر آنذاك ستة وعشرين عاماً. دلف المنزل يوم ذاك فوجد الحاجة رحمة منبسطة الأسارير، فكر في أنّ الحمام هو السبب، غير أنها أشارت له بالجلوس إلى جانبه تخبره أنها وجدت له عروساً فاتنة رشيقة. لم يكن متحمساً للفكرة، لكنه وافق على أية حال. لم يفكر يوماً إن كان تعيساً أو سعيداً. تزوج بعد أن دفعته الحاجة رحمة لذلك، وأنجب حيث أنّ الإنجاب ليس إلا نتيجة حتمية للزواج.

أدرك أنه اليوم سينام على الكنبة. لعن عبدالقادر في أعماقه، إذ أنه لم يجد غير هذا اليوم ليعكر صفوه. ثم فكر: ماذا لو أصبح ناسكاً؟ هل ستحل مشاكله؟ قهقه عالياً ثم ارتدى معطفه وخرج.

تحت قطرات المطر الخفيف يتمشى، جو نقي صافٍ يبعث على الراحة، حيث تطغى رائحة الأرض على الروائح البشرية. اشتد المطر فجأة، فجرى يحتمي تحت غطاء أقرب حانوت. أخذ يفرك يديه ثم أشعل سيجارة كي ينتظر بها توقف المطر.

فجأة يخرجه من سكونه صوت ينادي باسمه. التفت ليجد عبدالقادر آتياً في اتجاهه. ارتعدت فرائصه، حائراً بين أن يركض أم يواجه الموقف كرجل. وقبل أن يقرر، يهتز جسده من شدة اللكمة التي سددها له عبدالقادر، ثم لا تلتقط أذناه إلا كلمات مبعثرة: “حسابنا… لم… بعد… غضضت الطرف… زوجتك”.

سقط العربي تحت ثقل جسد عبدالقادر الذي يكيل له اللكمات وهو يلعن اليوم الذي أقرضه فيه المال. توسل له أنه سيدبر له المبلغ غداً صباحاً، إلا أنّ عبدالقادر أخرج سكينه، طعنه في بطنه، ثم نهض عنه وأكمل طريقه بهدوء، وكأنّ ما قام به ليس إلا روتيناً عادياً.

شعر العربي بوخزة مكان السكين. أخذ يقاوم رغبته في انتزاعه، يلعن ويسب حظه، ثم ابتسم في قرف حين تخيل جثته حيث هو، محاطة بالناس يتطلعون فيها بفضول واستنكار، ولسان حالهم يقول: “الله يستر، ما بقى ما يعجب في الدنيا”. قهقه مردداً نفس العبارة، ثم أصبح يشعر بالخفة.

امرأة مسنّة تجلس بجانب نافذة وتنظر إلى الخارج بتعبير تأملي.

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


Comments

اترك رد

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة