نورهان عبدالله*
“الموت ليس في أن يموت الإنسان، بل في أن ينتظر موته كل لحظة”
غسان كنفاني
الموت كإشارة إنذار تقطع روح صاحبها، تنقله من ثرثرة إلى حالة سكينة. جلست قرب الهاتف، تحاول أن تشغل ذاتها بعيداً عن ضجيج صاحب العمارة، الذي يأتي طوال الوقت ليخبرها أنّ هناك أناساً يريدون شراء البيت.
لم تكتفِ بهزّ رأسها، بل كانت تشير إلى أنّ الوقت لم يكن مناسباً أبداً. كيف يأتي أحد إلى البيت ليهدد استقرارها، حتى ولو لم تدفع النفقات المتفق عليها؟!
أسندت رأسها إلى جانب الفراش، في يدها دواء لتهدئة مشاعرها، وفي اليد الأخرى هاتفها. كانت أول مكالمة من أمها، تطمئن إن كانت رحيل قد تركت البيت لتبحث عن مكانٍ آخر أرخص، بدلاً من بيتٍ يشكّل خطراً كقطعة شطرنج تدفع صاحبها للعبث وعدم تحمّل الخسارة.
لم تكن رحيل تدرك أنّ الخسارات تؤلم، كألم الحيض عند امرأة عاقر، وأنّ الألم يستحيل أن يبقى مجرد شعور؛ بل يصبح كائناً حياً، كذاكرة تقضي على لحظات السعادة في حياة أحدهم.
طرق صاحب البيت الباب بعنف، لبيتٍ خالٍ من قطعٍ صغيرة سعيدة متناثرة على الأثاث، وقال:
– مدام رحيل، هل أنتِ مستعدة للرحيل الآن؟
لم ترد. كانت كحيوان قُطع رأسه قرباناً للحياة. ابتسمت في صمت وهدوء تام.
قاطعها صاحب البيت مجدداً، وألزمها أن ترحل، وإلا سيتخذ أمراً قانونياً بطردها من البيت. كم تأتي المصائب أكواماً متراكمة!
حملت أمتعتها، لكنها تركت أثاث البيت؛ لأنه لا يذكرها إلا بمأساتها مع الفراش حين لم تنم مرتاحة البال، مع المنضدة حين لم تستطع أن تستطعم الطعام وتستسيغه، مع المقعد حين لم تجد راحة تهدهد نفسها كما تهدهد الأيام مشاعرها، التي سبق أن وضعتها في قارب خطفته الرياح.
اتجهت إلى بيت أمها. لم تحتضنها، بل شعرت بثقلٍ يقتل روحها. لم ترحب بها، ولم تواسيها لما فقدته من ذكريات في بيتٍ جميل، كانت تعيش فيه مع زوجها، رغم أنه كان سيئ الذكر.
لم تفكر في شيء، فقط كانت تحدّق في سقف حجرتها الخاصة، حجرة الطفولة. تمنت رحيل أن تعود طفلة، تتسلق كتف أمها، ثم تضحك وتجري خوفاً من سطوة أبيها.
أتت الذكريات كحقيبة سفر، كمسافر يقطع طريقه بحثاً عن شربة ماء تطفئ حريق قلبه.
لم تفهم أمها لماذا تركت الأثاث، ولماذا تجلس هنا في بيتٍ لم يتسع إلا لشخص واحد. أشفقت رحيل على حالها، وأرادت أن تحتضن نفسها وتذهب في رحلة بعيدة، لا يوجد فيها سواها وجسدها المثقل بالتعب.
كانت تنتظر مكالمة تطمئن فيها على طفلها الرضيع، كأنها ترحل من عالمٍ متشح بالنور إلى عالمٍ مظلم، لا توجد فيه شفقة أو عدل.
حبها لغسان كنفاني أطفأ ضجيج روحها، وأنهى حالة الألم المبعثرة على الأرض بعد لحظات من القراءة المستمرة.
جاءت المكالمة في ليلة ممطرة. لم تكن مرحّباً بها. لم تشفِ نار قلبها حين سمعت الممرضة تقول لها:
– مات…!
– من؟!
– وليدك يا مدام رحيل… آسفة.
أغلقت الهاتف.
لماذا لا تعطينا الحياة أكثر مما نستحق؟
لماذا علينا أن نتحمل خسارات تُربك أحاسيسنا؟
كل المصائب أتت تباعاً.
لم تنطق أمها، ولم تواسيها، ولم تنظر إليها بعين شفقة. لم تفهم ما تمر به رحيل.
حملت حقيبتها، واتجهت إلى أقرب مكان لا تكشف فيه الحياة عن هويتها، كأنها على مقربة من الموت… أن تموت وهي على قيد الحياة.
صارت بين البشر تبحث عن عنوان، عن مكان دافئ يتحمّل خسارتها بدلاً منها.
ثم سألت أحدهم:
“أين عنوان الحياة؟”
وراحت تشد من أذرع الألم…
واختفت في ظلام الليل الدامس.
*قاصة وشاعرة – استراليا


أضف تعليق