مأمون أحمد مصطفى – فلسطين*
“3”
الأشياء
لماذا نغادر الأشياء؟ ولماذا تغادرنا الأشياء؟
حقاً أنا لا أعلم عن ماذا أتحدث، لكنها الحيرة التي تداهم النفس أحياناً، دون معنى ودون سبب. تأتي هكذا لتضع العقل والنفس أمام تساؤلات غامضة مثيرة، مجهولة معلومة، تؤلم الذات، تستنهض الوجع، ترج الصدر، حتى يبدو وكأنها تود أن تجعل ضلوع الصدر تختلف وتتداخل. تشعر بانفجار يهز الهدوء ويمحق السكينة.
تحاول أن تفرّج عن نفسك قليلاً، تخرج نحو الهواء المحمل بصفير الرياح وقسوة البرد النابع من الجليد والثلج. تمسك بك آلام الرقبة، ويأتي الغاز من حيث لا تعلم ليستقر في جبهتك. تقترب من الانفجار، تشعر بالرعب والهلع، تكتسحك كآبة مركّزة.
ينبت السؤال من جديد: لماذا نغادر الأشياء؟
ما هي الأشياء؟ التي نغادرها، ولا نعرف عنها سوى أنها الأشياء؟
أهي الأوطان؟ أم سلاحف الطفولة؟ أم حيّات الجبال التي دككنا رأسها بأحجار الصوان ثأراً من الخوف والسم؟ ربما هي عيدان النرجس وزهر الدحنون؟ وربما سقوف الصفيح التي كانت تضربها حبات المطر، وكنا هروباً من المأساة نعتبر ضجيجها قطعة موسيقية، تَغنى بها شعراء، ومجدّها أدباء؟
ربما هي المقبرة الموغلة في الوحشة والانطواء، بالمجهول المركّز من المجهول؟ وربما هي مجموعة الجراذين التي كنا نطاردها من سور إلى سور، لنذبحها ونصبغ العشب بدمائها، دون مبرر ودون سبب.
ربما هي اللوعة التي كانت تمزق وجوه الناس القاطنة في المخيم، ويمكن أن تكون وحل الشتاء الذي كان يلتصق بنا ويرفض مغادرتنا.
وربما؟ وربما؟
لكننا نبقى ندور في مساحة الغموض، ويبقى في السؤال عذاب الغيب والمجهول. لماذا نغادر الأشياء؟ ونحن بالإحساس نجزم بمعرفتنا بكُنه الأشياء وفحواها، لكننا حين نحاول الإجابة، الشرح، نشعر بالعجز القاتل. تنساب المسلّمات من بين أيدينا كما ينساب السراب من عيون الموتى لهثاً خلف ما يعرفون بأنه الماء، لكنهم لا يعترفون، أمام انفلات الحياة من الروح، بسراب اليقين ووهم المسلّمات، بل يتدافعون نحو الوهم والسراب، بقوة الموت نحو ما قالوا بأنه الماء المنقذ من حرّ الصحراء وقيظ الرمل.
هي الأشياء التي تتداخل وتتشابك بأعماقنا، تماماً كالأغصان المتداخلة المتشابكة بدون إرادة منها ووعي، لتشكّل تعقيداً يبدو للناظر بروعة التشكيل ودقة التنظيم. لكنه لا يعرف، ولا يود أن يعترف، بأنّ ما يعرف أقل كثيراً من روعة التشكّل وقوة التنظيم، لكنه يظل متوِجاً جهله بما شاهدت عينيه وما قرر عقله.
وحين تتداخل الأشياء بذاته وتتعاظم، ويشعر بالعجز عن الكشف والاكتشاف، يخرج من طور الروعة والدقة إلى طور الغموض والدهشة، ليسأل من جديد، وهو موقن بمعرفة ما يسأل عنه: “لماذا تغادرنا الأشياء؟” يتنبّه للسؤال فيُعاود التساؤل من جديد: “لماذا نغادر الأشياء؟”
ما هي الأشياء؟
هي الأشياء.
كيف نغادرها؟
صمت وحيرة.
كيف تغادرنا؟
صمت وحيرة.
صوت ارتطام، صراخ مجهول.
ماذا نعني بصوت ارتطام؟
وكيف يصرخ المجهول فينا؟
يُعاودنا اليقين المجهول ممزوجاً بأشياء، نعم بأشياء، نعرفها ولا تعرفنا.
تعرفنا ولا نعرفها.
هناك، على الشاطئ الراقد منذ أزل مجهول، تتحرك المياه بغضب وهدوء، تنفجر البراكين وتلتهب العواصف، تتكون الحياة وتنعدم، تتحرك المخلوقات برتابة وتجدد، تتداخل الأشياء: الموت والحياة، الهدوء والانفجار. يتشكّل الشاطئ بالصخر المخرم، المنمنم، ويسافر الرمل عبر مسافات الأرض والزمن.
نُداهم الشاطئ بزيارة، ونحن نحمل بين أيدينا كانون الشواء، نطبع الابتسامات، نغازل الرمال، تثير ذهولنا الأصداف.
تضربنا فكرة مفاجئة: من أين أتت هذه الأصداف؟ وكيف زحفت الرمال من بين شقوق البراكين الملتهبة؟ وكيف استطاعت أن تخرج من بين طيّات المجهول إلى أيدينا؟
كيف نغادر الأشياء؟
كيف تغادر الأشياء ذاتها؟
كيف تغادرنا الأشياء؟
حين سقط الألم في حلق الوجود، تنامت الأشياء وتضخّمت، بدأت تكبر وتتمدد، تنتشر وتتوغل بأعماق الأشياء، لتتكوّن أشياء وأشياء، فتتمدد هي الأخرى، لتتكوّن أشياء وأشياء، وتتكوّن أشياء وأشياء.
وحين تعملق الألم والوجع وامتزجا بالعذاب والغموض، تناسلت الأشياء وانقسمت، تناسل المجهول وانقسم المعلوم، دخلت فينا، ودخلنا فيها، تمازجت بنا وانصهرنا فيها، عشقتنا وعشقناها.
عرفتنا
وتعمّقنا جهلاً بها.
عن ماذا تتحدث؟
عن اللاشيء.
غريب.
ما الغرابة في ذلك؟
اللاشيء معدوم.
اقرأ أيضاً
صعوبة أن تستمر كمُبالٍ في الحياة
تأملات في “الخيميائي” لباولو كويلهو
ما أحتاجه كشاعر
لماذا نشعر أنّ السنوات تمر أسرع مما كانت في طفولتنا؟
الصداقة… حقيقة أم أقنعة مزيفة
وكيف استطعت أن تعرف العدم؟ أليس ما لا نعرف هو بغير مسمى، لأنه لا يخضع للعقل أو الإحساس؟
ولكن اللاشيء من العدم؟
العدم غير موجود في ذاكرة الأشياء، لكننا نُسمي اللاشيء، فهو بالتأكيد موجود.
أين؟
هناك وهنا، بأعماقنا الخافقة بالعجز والغموض والصغر. هناك بين الأشياء التي تبحث عنا ونبحث عنها، وهنا بين الأشياء القابعة بأعماقنا، وهنا بين الأشياء التي نقبع بأعماقها.
أتكتب عن اللاشيء، والشيء تنساه.
الشيء يكتب عنه كل الناس، أليس من حق اللاشيء أن نكتب عنه؟ ألا يستحق اللاشيء أن نضيّع قليلاً من المداد من أجل هيبته وغموضه؟
الشيء مدرك، واللاشيء مستتر خلف الإدراك. فلنكتب عن المدرك، لنرتقي بالشيء، لنحييه ونمنحه البريق، أما اللاشيء فليبق مطوياً باللاشيء.
هذه أنانية.
بل أنت عاجز عن الكتابة عن الأشياء، فالتَويتَ نحو اللاشيء هرباً من العجز والخوف.
أوليس من حقي الالتواء نحو اللاشيء، عجزاً وخوفاً؟
غريب أنت.
بل غريب أنت.
كيف؟
أنت تتحدث عن الشيء، هل تعرف ما هو الشيء؟
الشيء هو الشيء؟
واللاشيء هو اللاشيء. اللاشيء يا صاحبي أكثر عمقاً واستحقاقاً بالوجود من الشيء الذي تعرفه بمقدرتك في اقتناء الجهل المبرر بالغباء والانشداه.
دعنا نغادر الأشياء.
دع الأشياء تغادرنا.
كيف تغادرنا الأشياء؟
كيف نغادر الأشياء؟
الشيء للاشيء…
كيف أغادرك؟
اللاشيء للشيء…
كيف أغادرك؟
*كاتب وصحفي فلسطيني وُلد عام 1961 في مخيم طولكرم، ارتبطت تجربته الأدبية بسيرته النضالية والثقافية. شغل مناصب إعلامية وثقافية، وأسهم في تأسيس ملتقيات أدبية، وصدر له العديد من المجموعات القصصية والروايات والدراسات النقدية.

هل لديك نصّ إبداعي
وتريد نشره في منصتنا؟
نرحّب بمشاركاتكم من القصص القصيرة، والشعر، والمقالات الأدبية، والخواطر، والنصوص الإبداعية.
أرسل نصك، ودَعْه يصل إلى قرّاء يقدّرون الكلمة.
قصتك قد تكون النص الذي يبحث عنه قارئ اليوم.


اترك رد